«صفقة القرن»... بين الاعتبارات الانتخابية والغياب الفلسطيني

«صفقة القرن»... بين الاعتبارات الانتخابية والغياب الفلسطيني

الثلاثاء - 2 جمادى الآخرة 1441 هـ - 28 يناير 2020 مـ رقم العدد [15036]

على وقع محاكمة عزل الرئيس ترمب في مجلس الشيوخ، قرر البيت الأبيض إعلان تفاصيل ما بات يعرف إعلامياً بـ«صفقة القرن»، لتسوية القضية الفلسطينية، ما يجعل المزامنة بين الحدثين أمراً يصعب تجاهله، لا سيما أن الرئيس ترمب كانت لديه فرص عديدة سابقة لإعلان تفاصيل خطته كاملة. المزامنة هنا هدفها واضح، ليس فقط التغطية على سير محاكمة العزل، والتأكيد على أن الرجل لا يهتم بتفاصيلها التي تبدو له ولأنصاره قضية محسومة بالفشل؛ بل وأنه يتابع مهامه بحسم وصرامة كرئيس ناجح، حسب قناعاته الذاتية، لأكبر وأقوى دولة تعمل على حل الصراعات وتحقيق المصالح الأميركية الكبرى، والأهم دعم إسرائيل التي تمثل قاسماً مشتركاً بين مكونات المؤسسة السياسية والأمنية الأميركية.

شق آخر من المزامنة المقصودة يتعلق بما يجري في إسرائيل؛ حيث الانتخابات المقررة في مارس (آذار) المقبل، وهي الجولة الثالثة في غضون عام، مصحوبة بأزمة سياسية وانقسام مجتمعي وورطة لليمين والوسط واليسار الإسرائيلي على السواء، وفشل في تشكيل حكومة تدير شؤون البلاد. وأهم ما في هذه السيولة الإسرائيلية اتهامات الفساد الموجهة لبنيامين نتنياهو، التي تبدو غير مؤثرة بالقدر الكافي على حظوظه في الانتخابات المقبلة، ولكنها تظل تهديداً محتملاً لمستقبله السياسي. وهنا يبدو قاسم مشترك مع الرئيس ترمب، فكلاهما يواجهان اتهامات ومعرضان للمحاكمة، وكلاهما يبحثان عن مخرج يؤمّن لهما البقاء في عالم السياسة بلا مفاجآت، وكلاهما لديه استحقاق انتخابي مهم. وكما يقدم الإعلان الكامل عن تلك الصفقة فرصة لترمب للتشويش على محاكمته، وخطوة نحو ضمان تأييد اللوبي الصهيوني في الداخل الأميركي، يقدم فرصة أكبر لنتنياهو لتثبيت زعامته أمام الإسرائيليين، باعتباره الزعيم السياسي الذي يستطيع أن يجلب الأمن ويواجه التهديدات، ويفعل المستحيل من أجل بقاء إسرائيل كدولة مرهوبة الجانب، وتحصل على ما تريد من دون أي تنازلات. وبالتالي فرصة أكبر للفوز، وفرصة أكبر لتشكيل الحكومة الجديدة، والإفلات من شبح محاكمة قد تؤدي به إلى السجن.

ولا يقتصر الأمر على دعم نتنياهو فقط، وإنما لعب دور في تيسير تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، من خلال حث غانتس (رئيس حزب «أبيض أزرق» المنافس الرئيسي الذي تمت دعوته للبيت الأبيض لحظة إعلان الخطة) على التعاون مع نتنياهو في تشكيل الحكومة المرتقبة بعد الانتخابات المقبلة، استناداً إلى توقع عدم حدوث تغييرات كبرى في نتائج الانتخابات، وأنها غالباً ستكون مثل سابقتها مناصفة بين «الليكود» و«أبيض أزرق»، ولذا فالأفضل لهما أن يشكلا معاً حكومة وحدة وطنية، للتعامل مع تداعيات الصفقة الأميركية في الداخل الإسرائيلي، وتحديداً اعتراضات اليمين الاستيطاني المتطرف.

مثل هذه المدخلات تعني أن الأهداف الحقيقية لطرح الخطة في هذا التوقيت تتعلق بأهداف أميركية وإسرائيلية بالدرجة الأولى، الأكثر من ذلك أهداف شخصية لكل من ترمب ونتنياهو. أما القضية الفلسطينية نفسها فليست سوى إطار للحركة والدعاية السياسية، يؤكد ذلك أمران؛ أولهما غياب أو تغييب الفلسطينيين، وتحديداً الرئيس محمود عباس والسلطة الوطنية عن المشهد الاحتفالي، وثانيهما ما صرح به الرئيس ترمب من أنه يتوقع رفض الفلسطينيين لخطته، على الأقل في المرحلة الأولى. وهو ما يتناقض مع تصور الرئيس ترمب عن نفسه، بكونه صانعاً جيداً للصفقات، التي تقتضي نظرياً وعملياً قبول الأطراف المعنية لتلك الصفقة، وحصول كل منهما على حد أدنى من العوائد، وتنازلات يمكن قبولها لتمرير العوائد المتحققة. ولذا فالإشارة الواضحة بانتظار الرفض الفلسطيني تجعل الصفقة في دائرة الفشل قبل أن تولد.

التغييب المتعمد يمتد أيضاً للمشاركة العربية كلها، بما في ذلك الأردن، أكثر الأطراف تأثراً بما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما يطرح البدائل التي يمكن أن يواجهها الأردن في حال طرح صفقة مرفوضة فلسطينياً وعربياً. وحسب بعض التحليلات الإسرائيلية، فإن تطبيق الصفقة أو محاولة فرضها بالإذعان على الفلسطينيين، سيحمل مخاطر مباشرة على الأردن ونظام الحكم فيه، وأيضاً مخاطر على إسرائيل ذاتها. في حين يرى تيار من هذه التحليلات أن بإمكان إسرائيل أن تحتوي هذه المخاطر المحتملة، نظير أن يتحول الأردن إلى دولة فلسطينية، وبالتالي يتحقق الهدف الأكبر، وهو إخلاء الأراضي المحتلة من سكانها، بما ييسر ضمها إلى السيادة الإسرائيلية لاحقاً. وتشير تصريحات نتنياهو الخاصة بضرورة ضم غور الأردن لأسباب أمنية (وهو ما يمثل ثلث أراضي الضفة الغربية المحتلة) إلى أن منطق السطو والإلحاق هو الأكثر تسلطاً على الذهنية الإسرائيلية، ما يضع الصفقة في اختبار إسرائيلي، كما هو الحال بالنسبة للفلسطينيين.

الفلسطينيون ليسوا جميعاً على الخط ذاته من الاهتمام بالطرح الأميركي. صحيح أن هناك حتى اللحظة موقفاً فلسطينياً موحداً يرفض الصفقة أياً كانت تفاصيلها؛ لكن يظل رفض السلطة الوطنية مرتبطاً بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها كطرف مفاوض، ومعني بالتعامل السياسي والقانوني مع الطروحات الأميركية، والممثل المعترف به دولياً للفلسطينيين.

أما رفض الحركات الفلسطينية كـ«حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«الحركة الشعبية»، وغيرها، فيعد من قبيل تحصيل الحاصل، ليس فقط بسبب موقفها السلبي من مبدأ التفاوض، ولكن لأسباب فكرية وآيديولوجية تعتمد فكرة تحرير فلسطين، ورفض الاحتلال الإسرائيلي، والمواجهة السلمية والعنيفة على السواء.

وكما هو ظاهر للجميع، فإن الرفض الفلسطيني لا يشكل أرضية يمكن البناء عليها لتوحيد التوجه الاستراتيجي، سواء للتعامل مع قضية الاحتلال في الداخل والخارج، أو إعادة بناء القدرات الذاتية للمؤسسات الفلسطينية، أو التفاوض وفق رؤية فلسطينية متفق عليها، أو لجهة المصالحة الوطنية. والمسألة ذات شقين: أولهما التصور والرؤية، وذلك تتوفر فيه أفكار عديدة، وكلها ذات موثوقية واعتبار، ومنشؤها فلسطيني وطني لا يمكن التشكيك فيه. أما الشق الثاني فيتعلق بالإرادة السياسية الغائبة لكل الأطراف الفلسطينية، والتي تحول دون التقدم خطوة واحدة إلى الأمام نحو المصالحة الشاملة وبناء القدرات الذاتية، وهو ما يستغله الإسرائيليون في تثبيت مقولة عدم وجود طرف فلسطيني يمكن التحاور معه، وأن رغبة السلام لدى تل أبيب لا تقابلها أي رغبة لدى رام الله.

قد يعتقد بعض كبار مسؤولي السلطة الوطنية الفلسطينية، أن التأييد العالمي للحقوق الفلسطينية من حيث المبدأ كفيل بأن يعيد الحق المشروع، ويسهم في تحوله إلى واقع، وكفيل بأن يفشل «صفقة القرن» وملحقاتها، وكفيل بأن يقنع الولايات المتحدة بأن تكون أقل انحيازاً وأكثر إنصافاً، بيد أن المؤكد تاريخياً أن الحقوق مهما كانت مشروعيتها لا تتحقق بالأماني وحسب؛ بل بالعمل والإرادة والدعم الشعبي وتماسك المجتمع، وهي شروط غائبة عن الحالة الفلسطينية في الوقت الراهن.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة