البرلمان التونسي في عنق الزجاجة

البرلمان التونسي في عنق الزجاجة

السبت - 29 جمادى الأولى 1441 هـ - 25 يناير 2020 مـ رقم العدد [15033]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية

منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية، والحقل السياسي في تونس يشهد حراكاً صعباً ومجهول البوصلة. وأهم ما يدعم هذا التوصيف هو عدم حصول حكومة السيد الحبيب الجملي على ثقة البرلمان التونسي، وهو حدث صدم الجميع، ولم يكن متوقعاً رغم كل الانتقادات والاختلافات السياسية القائمة بين الكتل البرلمانية المؤثرة في عملية التصويت.
طبعاً من المهم فهم الضبابية السياسية الحاصلة حالياً في تونس، وذلك من خلال ربطها بنتائج الانتخابات التشريعية بشكل خاص، إذ كانت النتائج أشبه بالعقاب للأحزاب السياسية الكبرى، وأعلنت ولادة قوى حزبية جديدة، ولكن دون أن تمنحها العدد اللازم من المقاعد للتأثير السياسي.
بمعنى آخر، فإن الانتخابات التشريعية التونسية الأخيرة قد أفرزت مشهداً برلمانياً متنوعاً، دون أن تنتج كتلة قوية وفق الأغلبية النسبية، كما حصل في انتخابات 2011 و2014. ولقد جعلت هذه الوضعية الكتلة الأولى في البرلمان (وهي كتلة حركة «النهضة») في حاجة إلى أصوات كتل أخرى، ليكتمل الحد الأدنى اللازم من الأصوات كي تمرر حكومتها أو مشروعاتها القانونية.
بهذا المنطق، تصبح العملية داخل البرلمان أشبه ما تكون بعمليات الرياضيات، وتحديداً منها الجمع والطرح.
نوضح الفكرة أكثر: لم يكن متوقعاً عدم حصول الحكومة التي كلفت رئيسها حركة «النهضة» بتشكيلها على الثقة البرلمانية، لسببين اثنين؛ الأول هو حصول تقارب في الأسبوعين الأخيرين ما قبل سقوط الحكومة في البرلمان، بين حركة «النهضة» والكتلة الثانية في البرلمان، وهي كتلة «قلب تونس»؛ خصوصاً أنه تم قطع أشواط في المفاوضات، بل وحتى وجود أسماء وزارية من حركة «قلب تونس» في الفريق الحكومي. ولم يبدأ سيناريو إمكانية الفشل في الحصول على التصويت اللازم إلا قبل يومين من ذلك، عندما انسحبت حركة «قلب تونس» من المفاوضات، وصرحت بأنها لن تصوّت لحكومة السيد الحبيب الجملي. ساعتها فقط بدأ سيناريو عدم مرور الحكومة يلوح في الأفق. أما السبب الثاني فيعود إلى أن عدم الحصول على ثقة البرلمان يعني دستورياً الانتقال إلى طور ثانٍ، تكون فيه الكلمة الفيصل لرئيس الدولة، ليختار رئيس حكومة يراه الأقدر، ويكلفه تشكيل حكومة في ظرف شهر. والذي كان يروّج في الكواليس السياسية هو عدم رغبة الأحزاب وتخوفها من تدخل الرئيس في هذا الموضوع؛ لأنها ستجبر على قبول ما كانت ترفضه؛ حيث إن رفض مقترح رئيس الدولة وعدم التصويت على حكومة من يراه الأقدر، يعني حلَّ البرلمان والقيام بانتخابات تشريعية جديدة.
الآن نلاحظ أن نبرة النقد والاختلاف أصبحت أقل حدة، وتكاد تكون خافتة الصوت، وذلك منذ تكليف السيد قيس سعيد رئيس الدولة، السيد إلياس الفخفاخ تشكيل حكومة، خلال شهر غير قابل للتجديد. كما شكَّل تعيين الفخفاخ شبه مفاجأة، باعتبار أن الأحزاب رشحت كثيراً من الأسماء، وهناك أسماء كانت أكثر تواتراً إلى درجة أنه ذهب في الحسبان السياسي أن الاختيار سيكون بين السيدين: فاضل عبد الكافي، وعبد الفتاح بن حمودة، اللذين تكرر ترشيحهما من أحزاب عدة، وبشكل يضاعف تكرار اسم إلياس الفخفاخ. لذلك فإن التلقي الأول للخبر لم يكن إيجابياً، من منطلق أنه سبق له أن شغل وزارة المالية ووزارة السياحة، ويحسب ضده الانخراط في نهج المديونية في حكومة «الترويكا» الأولى؛ بل إن السيد إلياس الفخفاخ لم يكن من بين مرشحي لا حركة «النهضة» ولا حركة «قلب تونس»، الأمر الذي جعل بعض المراقبين يقولون إن الرئيس قصد ذلك كي لا تحصل الحكومة على التصويت، ويضطر لحل البرلمان، وتغيير النظام السياسي الذي أعلن مراراً أنه سيقوم باستفتاء شعبي من أجل تجاوز النظام البرلماني؛ خصوصاً أن المأزق الذي فيه تشكيل الحكومة اليوم هو من تداعيات طبيعة النظام البرلماني.
إذن، الأحزاب البرلمانية في عنق الزجاجة، وليس أمامها أكثر من حلين اثنين؛ إما التعامل بإيجابية ومرونة مع مرشح رئيس الدولة لتشكيل الحكومة، والتصويت على فريقه الحكومي للمرور للعمل، وإما إعلان الرفض وعدم التصويت إذا كانت لها مؤاخذات على الفريق الحكومي، وترفض التصويت، وهو ما يعني حلَّ البرلمان وإعادة الانتخابات التشريعية من جديد. وفي هذه الحالة لا شيء يضمن طبيعة المشهد البرلماني الذي ستنتجه إعادة الانتخابات.
أيضاً هناك سبب إضافي قوي لعدم قدرة الأحزاب المكونة للبرلمان على خوض مغامرة إعادة الانتخابات التشريعية، ويتمثل تحديداً في أن حركة «الحزب الدستوري الحر» التي تترأسها السيدة عبير موسى، التي تحصلت على 17 مقعداً في الانتخابات التشريعية الأخيرة، قد استثمرت سياسياً عدة أحداث لتنمية رصيدها الشعبي، الأمر الذي جعل البعض يتوقع أن تتضاعف قوتها البرلمانية في صورة إعادة الانتخابات التشريعية في الوقت الحاضر، وهي حركة من أشد خصوم حركة «النهضة»، وأيضاً علاقاتها بالأحزاب الأخرى متوترة؛ إذ يعتبرونها امتداداً لـ«التجمع الدستوري» المنحل، ولديهم مؤاخذات إزاء خطابها الذي يرون فيه راديكالية وتطرفاً من النوع المضاد.
وبالنظر إلى كل هذه الاعتبارات، فإن المتوقع هو مفاوضات واقعية مرنة، بين المكلف الجديد تشكيل الحكومة والأحزاب ذات النفوذ؛ خصوصاً أن الوضع الاقتصادي بات لا يحتمل الاستمرار في حكومة تصريف الأعمال.
فهل سيجاوز البرلمانيون التونسيون محنة عنق الزجاجة، أم أنهم سيخيّرون العودة إلى تحكيم الشعب؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة