سبعة تحديات تواجه الدور الأوروبي

سبعة تحديات تواجه الدور الأوروبي

الثلاثاء - 12 جمادى الأولى 1441 هـ - 07 يناير 2020 مـ رقم العدد [15015]
رمزي عز الدين رمزي
سفير مصري ومسؤول أممي سابق

من المفترض - ولو من الناحية النظرية - أن القرب الجغرافي لمنطقة الشرق الأوسط من أوروبا يجعل التكامل والترابط في مجالات عدة مصلحة مشتركة لدول المنطقتين، ومن ثم فمن المتوقع أن يكون هناك اهتمام من قبل الاتحاد الأوروبي بالاضطلاع بدور بارز في مساعدة بلدان الشرق الأوسط في التغلب على الأزمات والمشكلات المتفاقمة التي أعاقت - لفترات طويلة - عملية التنمية والتقدم في المنطقة.
ومع ظهور قيادة جديدة في الاتحاد الأوروبي في بداية شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بدأت تظهر بوادر في أوروبا على اهتمام متزايد للقيام بدور أكثر نشاطاً على الساحة العالمية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط. ويكتسب ذلك أهمية إضافية بسبب الارتباك الذي يهيمن على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وهو أمر من المتوقع أن يستمر في المستقبل المنظور.
وتتعلق الآمال بقيام أوروبا بالمعاونة في حل الأزمات المختلفة التي حلت بالمنطقة، سواء كان ذلك في سوريا أو ليبيا أو إيران. وأما فيما يخص تسوية النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، فإن الجهود المبذولة في هذا الصدد أصبحت في المرحلة الحالية حكراً على الولايات المتحدة، حيث سلمت أوروبا بشكل كامل زمام المبادرة لمساعي واشنطن للتوصل إلى ما يعرف بـ«صفقة القرن»، وهو أمر من المنتظر استمراره إلى أن تقرر واشنطن أن جهودها وصلت إلى طريق مسدود.
هذا وقد دأب الاتحاد الأوروبي - للأسف - على التركيز في المرحلة السابقة على تحقيق المصالح قصيرة الأجل - لأسباب داخلية - بدلاً من النظر إلى مصالحه الاستراتيجية في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة. وربما كان الاستثناء الوحيد هو الاتفاق النووي الإيراني المعروف بـ«خطة العمل الشاملة المشتركة»، وإن بات هو الآخر في خطر بسبب موقف واشنطن.
وقد انعكس ذلك خلال السنوات الأخيرة في منح أوروبا الأولوية لقضايا مكافحة الإرهاب، والسيطرة على تدفقات اللاجئين، وتأمين مصادر الطاقة، وذلك على حساب الاهتمام الواجب لتسوية، بدلاً من مجرد احتواء النزاعات التي هي السبب الرئيسي لعدم الاستقرار. وحتى عندما يتعلق الأمر بمصلحة استراتيجية، مثل تأمين مصادر الطاقة، لم تحرص أوروبا على وضع تحقيق ذلك في إطار شامل للاعتماد المتبادل، الذي من المفترض أن يكون أحد عناصره - من بين أخرى - قضية الهجرة.
وانعكاساً لهذا الاهتمام المتزايد، ظهرت خلال الأسابيع القليلة الماضية عدة تقارير تتضمن توصيات حول كيفية تحقيق أوروبا مصالحها المتعددة بشكل أفضل على المدى الطويل في المنطقة.
فمثلاً، المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية يقر بأنه رغم الشراكات الاقتصادية والسياسية الكبيرة بين أوروبا والجهات الإقليمية الفاعلة في الشرق الأوسط، فإنه - أي الاتحاد الأوروبي - لم يتمكن من «إحداث التأثير اللازم على التحولات الرئيسية التي شهدتها المنطقة»، كما أنه «لم يُشاهد للاتحاد الأوروبي موقف واضح بشأن سلسلة الأزمات الإقليمية المترابطة ذات الأثر القوي الممتد على المصالح الأوروبية هناك». ويمضي التقرير في تقديم توصيات لكيفية قيام الاتحاد بتأمين مصالحة طويلة الأجل.
ورغم ذلك، فإن هناك قناعة بأن الاتحاد الأوروبي لديه الإمكانيات السياسية والموارد المالية والاقتصادية التي تؤهله للاضطلاع بدور فعّال مؤثر في المساهمة في المساعدة على مواجهة الأسباب الرئيسية لعدم الاستقرار في المنطقة.
ومن جهة أخرى، أوصت المجموعة الدولية للأزمات بأن يركز الممثل السامي الجديد للشؤون الخارجية والسياسات الأمنية، جوزيف بوريل، جهود المجلس الأوروبي على الحيلولة دون اندلاع الصراعات. بيد أن هناك صراعات مشتعلة تستأهل الاهتمام العاجل من جانب القارة الأوروبية، ولا يمكن إغفالها أو تجاهلها بحال. وقد حددت المجموعة الدولية للأزمات 4 أزمات (من أصل 7) كأولوية في المنطقة، وهي: السودان، وليبيا، وإيران، وسوريا. أما الأزمات الأخرى، فهي: فنزويلا، وبوليفيا، وإثيوبيا.
وليس لديّ من شكوك في أن الدبلوماسيين والمتخصصين، سواء العاملين في الاتحاد الأوروبي أو داخل أجهزة السياسة الخارجية في مختلف البلدان الأوروبية الأخرى، سيجهدون للاستجابة بصورة إيجابية لهذه التوصيات المهمة. إلا أن السؤال الواجب طرحه هو عما إذا كان الساسة الأوروبيون يستطيعون اتخاذ القرار السياسي المطلوب. وهنا مكمن خيبة الأمل المتوقعة.
فعلى خلفية سلسلة من التفاعلات ولقاءات مع بعض النخب الأوروبية، سواء السياسية أو في مجال الأعمال، توصلت إلى اقتناع بأنه من المشكوك فيه بدرجة كبيرة أن تتخذ أوروبا أي مبادرات جادة قابلة للاستمرار لتسوية النزاعات في منطقة الشرق الأوسط في المستقبل القريب. وهناك عدد من الأسباب التي تدفعني إلى هذا الموقف:
أولاً: أن أوروبا تعاني من أزمة في القيادة، إذ صار المحور الألماني - الفرنسي، الذي تحمل مسؤولية القيادة في أوروبا، في حالة جمود مؤقت في المرحلة الراهنة. ومع قرب أفول نجم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ليس من المتوقع قيام الرئيس إيمانويل ماكرون بمفرده بتوفير القيادة المطلوبة لمواكبة التهديدات والتحديات التي تواجه أوروبا بشكل عام.
ثانياً: هناك أزمة كذلك داخل المؤسسات الأوروبية. فمع المغادرة البريطانية التي باتت قاب قوسين أو أدنى، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى التركيز على كيفية التأقلم مع هذا الواقع الجديد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه يحتاج كذلك إلى التصدي للتهديدات التي تحيط بالنظام التجاري الدولي. كل هذا سيأخذ قسطاً كبيراً من اهتمام مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
ثالثاً: هناك انقسامات بين أعضاء الاتحاد الأوروبي بشأن عدد من القضايا الدولية، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو خارجها. ففي الشرق الأوسط، لا تزال الآراء متباينة بين الدول الأعضاء بشأن كل من ليبيا وسوريا وإيران.
رابعاً: لا يزال الاتحاد الأوروبي غير قادر على الانفصال عن مدار الولايات المتحدة بشكل كامل، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالمسائل العسكرية والدفاعية. وهذا الأمر يتجلى فيما يتصل بكل من الأزمة السورية، والاتفاق النووي الإيراني. وفي ضوء التخبط في السياسة الخارجية الأميركية، فإن الأمر سوف يزداد صعوبة.
خامساً: بالنظر إلى عملية التحول الجارية في النظام الدولي، تركز القارة الأوروبية جهودها على ما تعتبره تهديدات وجودية على الصعيدين الأمني والاقتصادي، مصدرها كل من روسيا والصين. وعليه، فإن النخب السياسية الأوروبية تركز جهودها في المرحلة الراهنة على كيفية حماية النظام السياسي من التدخلات في الانتخابات، والحفاظ على التنافسية الاقتصادية، وعدم التخلف في مجال الذكاء الصناعي وتقنيات الجيل الخامس.
سادساً: مما يزيد من تعقيد صياغة سياسات أوروبية إزاء هذه التهديدات والتحديات المواقف المتباينة للنخب السياسية من جهة، والنخب الاقتصادية من جهة أخرى، حيث ترى النخب السياسية أن التقدم التكنولوجي والمعلوماتي الصيني تهديد مباشر للأمن القومي، في حين أن النخب الاقتصادية ترى أنها يجب أن تتعاون مع الصين للحفاظ على قدراتها تنافسية.
سابعاً: إضافة إلى ما تقدم، فإن مما يزيد من تعقيد المشهد الصعوبات التي تكتنف عملية اتخاذ القرار نتيجة حالة السيولة التي تشوب الساحة السياسية الأوروبية بسبب التحولات الناتجة عن ظاهرة الهجرة والتهديدات الإرهابية التي تعتبر أحد المصادر الرئيسية لظهور الأحزاب القومية الشعبوية التي تهدف إلى إعادة تشكيل وصياغة المشهد السياسي العام في أرجاء القارة الأوروبية كافة، وربما قد تؤدي إلى تقويض ركائز الديمقراطية الليبرالية في أوروبا.
خلاصة القول: إن هناك اعتبارات كثيرة تحد من تمكن أوروبا من اتخاذ (ثم متابعة) أي مبادرة جديدة لتسوية النزاعات في الشرق الأوسط، بيد أن هذا لا يعني انعدام القدرة الأوروبية على الإسهام في تسوية أو منع اندلاع النزاعات في المنطقة.
وأعتقد أنه لا يمكن لأوروبا سوى الاستجابة والتفاعل بصورة إيجابية إزاء أي مبادرات جادة في هذا الصدد. والسؤال المطروح إذن يكون: من أين تأتي مثل هذه المبادرات؟ أعتقد أن أي مبادرة لا بد أن تأتي من داخل منطقة الشرق الأوسط ذاتها، سواء كانت تتعلق بالأزمة الليبية، أو السورية، أو اليمنية.
وحتى يمكن تحقيق ذلك تحتاج الدول العربية إلى الاتفاق فيما بينها على الأولويات المشتركة، مع طرح المبادرات التي يمكن أن تحظي بالاهتمام والدعم اللازم من جانب القوى الدولية الفاعلة الرئيسية.
* سفير مصري مسؤول أممي سابق - خاص بـ«الشرق الأوسط»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة