التغيير وضبط المجال العام

التغيير وضبط المجال العام

الخميس - 6 جمادى الأولى 1441 هـ - 02 يناير 2020 مـ رقم العدد [15010]
فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي

لا يمكن لأي تغيير أن يتم من دون تمرد وانفلات. التجربة البشرية مشتركة في ردود فعلها بالمنعطفات الكبرى، واليوم تخوض السعودية أكبر تجربة تحوّل في تاريخها الحديث. والتغيير لا يشمل فقط ما نراه على الشاشات من حفلاتٍ فنية، أو مسرحيات، أو أوبريتات، وإنما ما يجري في المكاتب ووزارات ومجالس التخطيط وصياغة الرؤى من صياغاتٍ قانونية ونظامية حديثة تواكب ما وصلت إليه البشرية بنموذجٍ لم تصل إليه دولة عربية، أما الجوانب الترفيهية والفنية فهي جزء بسيط من المشروع الكبير، أشدد على ذلك لقطع الطريق على المتربصين الذين لا يجدون وسيلة لاستهداف الرؤية السعودية إلا من خلال نبزها بالإكثار من الحفلات الفنية، وما الضير في الإكثار منها؟! ولكن تنزلاً عند قولهم فإن الذي يجري إعادة صياغة لمفهوم الدولة ليضارع أحدث ما أنجزته البشرية من مفاهيم وإجراءات تعزز تصليب المؤسسات ووضع مجالٍ عامٍ مستنير وحر وحيوي ولكن ضمن سلطة ضبط محكمة حازمة وحاسمة.
إن مهمة الدولة ضبط المجال العام من المتمردين المستهترين. قبل أيام قبض على عدد من الشباب والفتيات لمخالفتهم النظام في إحدى الحفلات. البعض استخدم هذه الجنحة بشكلٍ سياسي، أو وظفها آيديولوجياً لإثبات خلل الفنون والجماليات والحفلات كلها. علت أصوات المحافظين باعتبار هذا الخطأ الفادح من أولئك المستهترين يقضي بمنع كل الأنشطة الفنية، هذا الإجراء مستحيل التحقق لأنه يخالف وظيفة الدولة.
من واجب الدولة تحقيق الخيارات الذوقية والترفيهية والعلمية والاجتماعية والرياضية ضمن أنظمة وقوانين صارمة، ومن يخالف استخدام تلك المرافق المدنية في المجال العام يحاسب بصرامة القانون وحزم النظام.
لا بد من رسم معالم ثقافة قانونية بمعنى علاقة الإنسان بالآخر، وحدود تعامله معه. الفوضى تسبق الدولة، والنظام يأتي معها، لذلك يحدثنا سبينوزا منذ زمن قائلاً: «لا يمكن تصور العدالة والظلم، بالمعنى الدقيق للكلمة، إلا داخل الدولة»، وتحدي الدولة إنما يشبه حمل السلاح بوجهها، باعتبار الفرد داخل الدولة مجرداً من استخدام العنف الخاص، لأن القوة يجب أن تحتكرها الدولة. فالتحرش والسطو ورفع السلاح والفلتان في الواقع تمرد معلن على كيانها. والسيادة للقانون وشرعته، والقانون هو الوسيط بين الإنسان والحق، ولعل ممن نظّر لهذا مبكراً شيخ فلاسفة السياسة توماس هوبز حين قال في كتابه الأساسي: «اللفياثان» (الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة): إن الإنسان وفي الوقت الذي لا يلقى فيه الاعتراف بذاته، فإنه يعمل كل ما بوسعه على نزعه عن طريق الإساءة إلى كل من يكن له الاحتقار والازدراء، داعياً الآخرين إلى الانتباه إلى ما ينتظرهم، إن هم أرادوا نيل ما يكسبهم التقدير والعظمة. على هذا الأساس يمكن القول بأن ما يولد الصراع أو العنف في الطبيعة الإنسانية عائد إلى ثلاثة أسبابٍ رئيسية، هي: التنافس، والحذر، والكبرياء. وفق السبب الأول يتجه عامة الناس إلى المهاجمة من أجل نيل منافعهم وغاياتهم، وبالثاني يؤمنون حياتهم، أما الثالث فيستخدمونه من أجل الحفاظ على شرفهم وسمعتهم. ففي الأول يستخدمون العنف من أجل فرض سيطرتهم على الآخرين مثل نسائهم وأطفالهم، وفي الحالة الثانية يلجأون إليه من أجل حفظ مكتسباتهم، وفي الحالة الثالثة يكون لجوؤهم إليه لأسبابٍ تافهة، مثل كلمة مستفزة، أو ابتسامة، أو رأي معارض لرأيهم، أو إشارة تخفي احتقاراً واستصغاراً لهم، كيفما تم توجيهها سواء كان ذلك عن قصدٍ أو عن خطأ، وسواء استهدفت أشخاصهم أو أقرباءهم أو أصدقاءهم».
بالطبع حالات التحرش موجودة في جميع الدول العربية والإسلامية، وتنتشر بسبب ضعف القوانين الضابطة، والكبت الشديد، والتعاليم المشوهة تجاه المرأة، لكن القوانين الأقوى هي القادرة على لجم النزعات المتمردة والمتحدية للدولة، والساطية على المجال العام والمستهترة به، التغيير مستمر، ومن ضمن ذلك ما سيأتي من قوانين رادعة، تجعل الفرد أكثر انضباطاً وأقدر على إدراك موقعه المتاح وموقع الآخر الممنوع. ثمة مسافاتٍ وآخرية وغيرية يجب أن تحترم بين الرجل والمرأة، ولا بد من تبويبها وتقنينها لردع كل التصرفات الهمجية المنحطة وضبط حركتها في المجال العام.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة