لبنان وحراكه

لبنان وحراكه

الثلاثاء - 26 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 24 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [15001]
جميل مطر
كاتب ومفكر مصري مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي.

دخلت إلى لبنان مزوداً بمعلومات وخبرات زملاء صادف وجودهم في تونس والسودان وسوريا ومصر والجزائر خلال شهور الحراك. هذا الحراك الذي اتخذ لنفسه أسماء تباينت بتباين حالات الحكم والاقتصاد والآمال والتدخل الخارجي في كل دولة من هذه الدول، أو بتباين المراحل. الأفضل دائماً للزائر أو المراقب لدولة عربية أن يراعي الالتزام بقاعدة أن ما يحدث في هذا البلد العربي لا يشبه بالضرورة ما يحدث في البلد العربي الآخر.
الناس في الجزائر تحب أن يبدو ما يحدث فيها مختلفاً عما يحدث في تونس أو سوريا أو مصر أو لبنان، وهذا ما يحبه الناس في كل دولة من هذه الدول. حذروني في لبنان أن أقع في خطأ البحث عن أوجه الشبه بين الحراك اللبناني وأي حراك آخر نشب أو لا يزال ناشباً في دول عربية أخرى. أظهرت اقتناعاً بجدوى التحذير والتزمت به ولكن بقيت على اقتناعي بأن لظاهرة الحراك أسباباً عامة في قوة أسبابه الخاصة بالبلد التي يقرر أن ينشب فيها.
ينسى الذين يحذرون أن الشعارات ذاتها التي انطلقت في حراك بلدهم العربي الأصيل هي نفسها الشعارات التي سمعناها تنطلق في حراك السكان الأصليين في بوليفيا والإكوادور وبيرو، وفي حراك بعض أهل فنزويلا وكولومبيا ونيكاراغوا وهونغ كونغ وإيران، وسوف يسمعونها تنطلق في شوارع مدن أفريقية جديدة خلال شهور قادمة.
ليست الشعارات والمطالب هي وجه الشبه الوحيد في مظاهر الحراك الناشئ حالياً في مجتمعات كثيرة، وليست البدايات واحدة في الشكل أو في الجوهر، وليست النهايات كلها ولا أكثرها قاطعة وحتمية. هناك «حراكات» نشبت منذ سنوات ولا تزال ناشبة في شكل ارتدادات مختلفة. وهناك حراكات لم تهدأ ولم تصل إلى نهاية واضحة أو مشهودة. وهناك حراكات بدأت وخلال مسيرتها غيرت هذا الشكل أو غيرت دربها وطورت أهدافها.
حراك لبنان ليس فريداً بأي حال ولكن في الوقت نفسه ليس نسخة لبنانية من حراك نشب في مصر أو الجزائر أو هونغ كونغ. رأيته حراكاً لبنانياً في معالمه الرئيسية وألوانه وفنونه ومواعيده وفي أناقته. وكذلك في اختيار مفردات لغة تنفيسه عن الغضب والاستياء. رأيت في لبنان خلال أيام أربعة قضيتها هناك حراكاً لا يُمَل، وفي أحيان يتحدى قدرة المشاهد أو المراقب على التصديق.
أتصور أن حراك لبنان، على خلاف ما حدث في دول عربية أخرى وربما أيضا في دول في أميركا اللاتينية، أثار أسئلة لدى أشخاص مثلي أكثر مما قدم لهم من أجوبة. أظن، وهو ظن قاتل للنقاش، أن خصوصية لبنان كانت وراء كثير من أسئلة لم تجد إجابة شافية. المثال البارز نقابله في أي لحظة يقع فيها المساس فيما سماه الحراك في دول عربية أخرى الطبقة السياسية، وفي أخرى بالطبقة الحاكمة، وفي دول ثالثة بنخبة أو جماعة القيادة للنظام السياسي القائم.
هذه الطبقة، أو أياً كان الاسم الذي نختاره لها، كانت ولا تزال هدف أهل الحراك في كل دولة نشب فيها. بدأت بثقة وضعتها الشعوب في أفراد وعائلات وشبكات من العلاقات الاجتماعية اهتمت بالعمل بالسياسة كحيز مناسب للإثراء السريع، وفي الغالب غير مشروع. استطاعت بحكم وجودها طويل الأمد في السياسة أن تضع أو تعدل الدساتير لتحسن مواقعها وتصون مكاسبها وتجعلها مشروعة وغير قابلة للطعن فيها. هيمنت هذه الطبقة في معظم الدول العربية ومعظم دول أفريقيا وأميركا اللاتينية، وتهيمن الآن في الولايات المتحدة وروسيا ودول في شرق أوروبا. تبقى وتزدهر حيثما تبدع مستخدمة أحد طريقين أو كليهما معاً في حالات معينة، مستخدمة وسائل متطورة من العنف وبخاصة القمع.
تبدع أيضاً في البقاء والاستمرار بكفاءة توزيع جانب ضئيل من فائض الفساد ليصل إلى العامة في أشكال أو قوالب جذابة تبتعد بها عن المساءلة أو الاتهام المباشر بالفساد. وجدنا في معظم التجارب الأخرى التي مرت بنا في العالم العربي هذه الطبقة تميل إلى استخدام درجة عالية من القمع والعنف، بينما كانت في لبنان تستخدم الطائفية السياسية كسبيل أسرع لتضخيم الثروة والضمان الأقوى للمحافظة على الهيمنة. اختفى أفراد الطبقة وعائلاتها بثرواتهم وراء طائفة، فالطائفة هي التي تتحكم في حياة الفرد وتضمن سلامته ورعايته.
لم تستخدم النخبة السياسية اللبنانية العنف كما استخدمته الطبقات السياسية في الدول الأخرى. استبدلته بواسطة العقوبة الاجتماعية أي لا يوجد تعليم مناسب ولا صحة ورعاية اجتماعية كافية ولا خدمات من الدولة إلا من خلال العلاقة بالطائفة.
تغيرت في الآونة الأخيرة علاقة الفرد بالطائفة تحت ضغط التكاليف المرتفعة للخدمات الاجتماعية. لم تعد قيادات الطائفة قادرة على تحمل التكاليف، وبخاصة بعد أن تجاوزت عناصر عدم الكفاءة وقلة الخدمة وسوء الإدارة في الأجهزة البيروقراطية كل ما كان متوقعاً منها، وبعد أن وقفت الدولة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها العادية واضطرت تحت ضغط قوى الفساد والضغوط الخارجية إلى زيادة الضرائب المباشرة على المواطنين وغالبيتهم من محدودي الدخل.
هنا انكشف إفلاس الخزانة اللبنانية وانكشفت معه فضائح فساد كانت معروفة ولكن كان مسكوتاً عنها، وانكشفت ثالثاً الآثار السلبية الكثيرة التي خلفتها الطائفية السياسية، وانكشفت رابعاً نية بعض قادة الطوائف في استخدام العنف والقمع لوقف تمرد أبناء وبنات الطائفة، ونزوحهم بأعداد كبيرة باتجاه «الوطنية اللبنانية»، ورفع أعلام لبنان بعد حظر أعلام الطوائف وشعاراتها.
يجب أن نعترف أن الحالة اللبنانية مثلها مثل حالات أخرى جاءت مدفوعة بقوة اندفاع تيار النيوليبرالية التي أفرزته قوى العولمة، وخاصة خلال مرحلة القطبية الأحادية الأميركية، وفي لبنان خلال مرحلة «الحريرية الاقتصادية» كتطبيق لبناني متطرف للنيوليبرالية. هكذا أطلت الطائفية بأبشع ما فيها من أساليب ليضاعف القادة السياسيون ثرواتهم، وفي النهاية يعرف الناس أن هذه الطبقة هي المسؤولة عن كل الخراب المنتظر أن يصيب لبنان. وبالفعل وقع الخراب في شكل أزمة لا تُحَل، وتمرد الشعب على الطبقة التي تسببت في وقوع هذه الأزمة، وأعلن نيته نقل ولائه من الطائفة إلى الوطن، وكان الحراك اللبناني.
أثار فضولنا على امتداد المرحلة الأولى للحراك اللبناني أن التدخل الأجنبي لم يعلن عن وجوده أو فاعليته بصراحته المعهودة. سمعنا إيران تصدر تهديدات تخص الوضع المتردي في العراق وتتدخل. وسمعنا عن ضغوط خارجية وعن تدفقات مالية أثناء الحراك السوداني. وسمعنا تصريحاً ينقصه بعض الذكاء من جانب الرئيس الفرنسي خلال انتخابات الرئاسة محل الجدل في الحراك الجزائري. وسمعنا عن تدخلات أميركية سخيفة ومتعجرفة وتدخلات روسية مؤيدة أثناء الحراك الفنزويلي. كذلك تدخلت منظمة الوحدة الأميركية وبعض دول الجوار خلال الحراك البوليفي. سمعنا الكثير عن تدخلات ولكن لم نسمع عن تدخل سافر وفاعل إلا ما ندر. مع التأكيد من جانب أنه لم يكن في حقيقته نادراً ولكنه مزود بكاتم صوت تزود به الجميع، خشية أن يصير في لبنان ما صار في الشقيقة الملازمة سوريا.
تعودنا في الإعلان الحكومي العربي أن نحمل الأطراف الخارجية مسؤولية ما يحدث من كوارث في دولنا التي ننتمي إليها. لا أحد، خلال الحراك اللبناني، حمل الفلسطينيين أو حكومة سوريا أو تركيا مسؤولية ما يحدث في لبنان لأن أحداً لم يطالب الجامعة العربية بالتدخل أو عاب عليها عدم التدخل، وما كانت لتتدخل في كل الأحوال.
لبنان قد يفلح في ظل مرحلة قادمة من الحراك في تصحيح بعض أوضاعه الاقتصادية بفضل تدفقات مالية كبيرة من دول الغرب وبعض الدول العربية، وقد يفلح في وقف مؤقت لجشع وفساد أفراد الطبقة إن بقيت رموزها حاكمة رغم الحراك. قد يفلح في هذا أو ذاك، ولكن إلى حين فالحراك الدائر الآن لن يترك أهدافاً معلقة ليسقطها خصومه هدفاً تلو آخر.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة