«قانون قيصر» وإجبار النظام السوري على التسوية

«قانون قيصر» وإجبار النظام السوري على التسوية

الثلاثاء - 19 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 17 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [14994]
شارلز ليستر
- زميل ومدير قسم مكافحة الإرهاب بمعهد الشرق الأوسط

تحولت الليرة السورية في الأسابيع الأخيرة إلى أزمة عميقة بعدما عادل سعر 1000 ليرة دولاراً أميركياً واحداً مقارنة بنحو 500 ليرة بداية العام الجاري.
ومع استمرار نقص الوقود وبعدما بدت جهود إعادة الإعمار أشبه بدرب من دروب الخيال، فقد بدا رد فعل نظام الأسد وكأنه قد آثر البقاء في عزلة اقتصادية طوعية. فقد اقتصر تداول الدولار والقدرة على الحصول على الواردات بالعملة الأميركية على الدائرة الداخلية للنظام. وفي الوقت نفسه، فإن حالة عدم الاستقرار باتت في تصاعد في مختلف أنحاء البلاد في ظل استمرار الصراع المفتوح في الشمال الشرقي والشمال الغربي وحالات التمرد الناشئة في الجنوب الغربي والصحراء الوسطى. ومما زاد الطين بلة أن التحديات التي تطال السيادة السورية تسير بوتيرة متسارعة. باختصار، فإن هذا هو «النصر» الذي حققه بشار الأسد وحلفاؤه من الروس والإيرانيين.
لكن الوضع بات مرشحاً للمزيد من التدهور في غضون أسابيع قليلة. فبعد عدة سنوات من الجهود التي بذلت وراء الكواليس، سيجري التوقيع على «قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين» ليصبح قانوناً في واشنطن، بموجب «قانون التفويض للدفاع الوطني». لكن هذا التشريع توسعي وعدائي بشكل غير عادي يسمح بتوسيع كبير لنطاق العقوبات ضد شخصيات النظام السوري وكياناته، بما في ذلك البنك المركزي وقطاعات متعددة في لب اقتصاد الدولة. والأهم من ذلك أن «مشروع قيصر» سيخول الحكومة الأميركية بمعاقبة أي فرد أو منظمة في أي مكان في العالم يثبت تقديمها لأي شكل من أشكال الدعم المالي للنظام السوري من شأنه أن يعزز قدرته على قمع شعبه.
ولمن لا يعرف، فإن هذا القانون يضع روسيا وإيران بشكل مباشر أمام تصعيد لا مفر منه في العقوبات الأميركية عام 2020، ومع أقصى حملة ضغط حالية على إيران، سيحدث التغيير الحقيقي فيما يتعلق بروسيا - وهي الدولة التي تحاشت الحكومة الأميركية معاقبتها حتى الآن على جرائمها في سوريا. كل شيء، بدءاً من الجيش الروسي وقيادته وصولاً إلى منتجي الأسلحة ورجال الأعمال والمقاولين العسكريين الخاصين وصناعة الطاقة، جميعهم قد يقعون فريسة للعقوبات الأميركية عندما يجري تفعيل مشروع «قانون قيصر».
لذلك يبدو أن هذا التشريع الجديد مهيأ للتسبب في المزيد من الاختناق للنظام السوري وعزله عن النظام العالمي وتوسيع قدرة أميركا بشكل كبير على معاقبة الفاعلين الذين يشاركون في ارتكاب جرائم نظام الأسد أو في تقديم نوع من الدعم الذي يسمح له بمواصلة جرائمه. علاوة على ذلك، فإن مشروع «قانون قيصر» سيوفر أيضاً لإدارة ترمب الصلاحيات لمعاقبة الحلفاء أو الكيانات الأميركية الموجودة داخل الدول المتحالفة والذين مضوا قدماً في التعامل والانخراط مع نظام الأسد أو الاقتصاد السوري.
كان على إدارة ترمب الاعتماد على التهديدات اللفظية والتحذيرات لثني الحلفاء - وخاصة في أوروبا والمنطقة - عن إعادة الانخراط السياسي أو إعادة الاستثمار اقتصادياً في مناطق النظام في سوريا. والآن ستواجه هذه الإجراءات خطر فرض عقوبات اقتصادية كبيرة من الولايات المتحدة.
من الناحية المثلى، ستكون هذه القوى التي ستنشأ عن مشروع «قانون قيصر» بمثابة أداة ردع فعالة تقنع حلفاء الولايات المتحدة بالتوقف عن إعادة الاشتباك أو وقفها قبل أن تبدأ. وفي حال فشلت في ردعها، ستكون واشنطن في موقف صعب للغاية وستواجه إجراءات تنفيذية وفقاً لقانون معاقبة الحلفاء.
لقد تراجع النفوذ الأميركي في سوريا إلى حد ما في الأسابيع الأخيرة بعد أن أمر الرئيس ترمب بسحب قواته، وبعد أن تدخلت تركيا في الشمال الشرقي، ثم تشكيل محور ترمب المفاجئ لمواجهة «داعش» و«حماية النفط». والآن يبدو أن القوات الأميركية ستقرر العودة إلى مهامها بإعادة تقديم مشروع «قانون قيصر» على الرغم من عدم اتضاح الرؤية. لن يستسلم نظام الأسد حال شلت أميركا الاقتصاد السوري وعزلت دمشق عن بقية العالم، ونفس الحال بالنسبة لإيران، وهو أمر واضح.
ومع ذلك، قد تصبح روسيا أكثر حساسية لكونها المالك العام لمستنقع سيتدهور حتماً وسيتطلب مستويات عميقة من الاستثمار المالي والأمن العسكري والحماية السياسية. ونظراً لتعقد الأوضاع وما تواجهه روسيا في سوريا، يبدو أن موسكو ترغب في التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع ووضع حد لعزلة سوريا الدولية. وفي هذا الصدد، فإن روسيا تبدو عازمة على الحصول على تصديق لسياساتها من دول مثل الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية الكبرى ومن دول الشرق الأوسط نفسها. وفي حال لم ينفذ بالكامل، فإن «قانون قيصر» سيجعل من هذا الطموح الروسي أمراً مستحيلاً دون إحراز تقدم كبير في عملية سياسية تديرها الأمم المتحدة بشأن قرار مجلس الأمن رقم 2254.
في واشنطن، هناك توقع ضئيل بأن تصبح موسكو - أو لنقل فعليا دمشق أو طهران - جهات فاعلة مرنة بشكل مفاجئ. وبدلاً من ذلك، فإن الوجود العسكري الأميركي المستمر في سوريا المقترن بالضغط الاقتصادي والدبلوماسي، يهدف إلى تشكيل حملة استنزاف تسعى إلى تقليص الثقة داخل التحالف الموالي للأسد وإجباره على التسوية. تلك الاستراتيجية مبنية على مصلحة طويلة الأجل والاستثمار في سياسة سوريا - وهو افتراض من المرجح أن تثبت صعوبته بالنظر إلى عدم قدرة الرئيس ترمب على التنبؤ وتجاهل أهمية سوريا. ويبدو المرشحون الديمقراطيون لمنصب الرئيس غير مبالين أيضاً بشن حملة ضغط طويلة الأجل. في الوقت الحالي، يعتبر تحويل مشروع «قانون قيصر» إلى قانون فعلي تطوراً بالغ الأهمية. ولكن إلى أي حد وإلى متى؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة عن هذه التساؤلات.
* خاص بـ«الشرق الأوسط»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة