الذي لا يحمد على مكروه سواه

الذي لا يحمد على مكروه سواه

الخميس - 15 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 12 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [14989]
في بداية الخمسينات الميلادية حضر إلى السعودية طبيب لبناني اسمه منير شماعة – ولا أدري هل لا يزال على قيد الحياة أم أنه ذهب إلى رحمة الله.
وهو طبيب مثقف وخفيف الظل، ووضع كتاباً ظريفاً يحكي فيه عن انطباعاته ومواجهاته مع الحياة التي لم يتعوّدها في بلاده، وهو يقول في مذكراته:
أذكر حادثة فريدة حصلت لي إبّان عملي؛ إذ ظهر لي في الأفق البعيد رجل معه دابة على ظهرها شخص مسطح أفقياً، وبدأت الصورة (توضح) لي شيئاً فشيئاً، إلى أن وصلا إلى باب المستوصف، فتبين لي أن الشخص الذي على الدابة صبي لا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، والبدوي رجل طويل القامة ذو شعر أسود طويل مجدول كشعر النساء، لمّاع وكأنه مدهون بالزيت، وقد علمت لاحقاً أن اللمعان في الشعر ناتج عن غسله ببول الجمال، فحمل البدوي الولد ووضعه على سرير الفحص، وإذا به جثة هامدة، فسألته: من يكون هذا الولد؟! فأجابني: ولدي الوحيد. فقلت له: ولدك مات. فقال بثقة وراحة وبصوت ثابت: (الحمد لله). فلم أتمالك نفسي فصفعته بغضب وقلت له: كيف تقول الحمد لله وابنك الوحيد جثة هامدة؟!
فمفهومي لـ«الحمد لله» كان آنذاك بمثابة حمد لله على الخلاص أو النجاة من مكروه ما، ولم أعرف للعبارة أي معنى آخر، فقال لي عندئذ: والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. فقلت له: أعد ما قلت. فأعاده. فقلت له: من أين لك هذا القول؟! فقال: هذا حديث نبويّ. فترقرقت عيناي بالدموع وحضنته بحب واعتذار وقلت له: والله لقد أسلمت من الآن، ونطقت الشهادتين. وكان لهذا الحادث أثر كبير في حياتي وتفكيري بالرغم من أنني كنت أتأرجح بين الإيمان بالله وعدمه، فإن ما قاله هذا البدوي الأمّي وعمق إيمانه بالله أكد لي عظمة الفلسفة الإسلامية وعظمة نظرتها إلى الموت، وقد تأكدت لي هذه الحقيقة على مرّ السنين عبر تجربتي مع المرضى المسلمين، وخصوصاً السعوديين الذين يقبلون الموت لكونه حتمياً، فهم برغم حزنهم لا يجدون داعياً للمسرحيات أو للنحيب والبكاء وكل المظاهر الفلكلورية التي يمارسها أبناء الديانات الأخرى في حالات الموت وعند إقامة الجنائز، ويكفيني من الإسلام هذه الفكرة وهذه النظرة الرصينة لفلسفة الموت – انتهى.
ما إن انتهيت من كتابة هذا الكلام، حتى زفرت زفرة من أعماق قلبي مردداً بيني وبين نفسي: لا شيء أكثر ألماً من الفقد، نعم من (الفقد).

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة