أدب البرقيات

أدب البرقيات

الأحد - 11 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 08 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [14985]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ

من الطريف أن بعض الشعراء أخذوا قبل سنوات يتبادلون نوعاً من شعر الإخوانيات أطلقوا عليه اسم «أدب البرق»، لأنه كان يردّ في إطار برقيات. قد يكون فعلاً تلغرافياً، وقد يأخذ شكل الرسالة الموجزة التي يحملها البريد. وكان الدكتور مهدي البصير أول من أشاع هذا الاصطلاح بين أدباء العراق في الأربعينات. من هذه البرقيات الشعرية، كان ما بعث به السيد محمد أبو العز إلى والي بغداد ناظم باشا، في أيام الحكم العثماني في العراق، وتُعتبر برقية السيد محمد من الوثائق المهمة في تاريخ البلد، إذ أعارها الوالي اهتماماً خاصاً، وترجمها إلى اللغة التركية، وأبرقها إلى السلطان في الأستانة.
كان فرع الحلة من نهر الفرات يعاني من الجفاف صيفاً، مما كان يسبب للسكان كثيراً من المعاناة والعذاب. تطلب ذلك بناء سد على نهر الفرات يحول قسماً من مائه إلى الحلة. جاءت البرقية بهذا النص:
قل لوالي الآمر قد مات الفرات
وغداً عنه أهاليها شتات
أفترضى أن يموتوا عطشاً
وبكفيك جرى ماء الحياة
كان لوصول البرقية إلى السلطان العثماني أثر بليغ، فأمر بتخصيص ما يلزم لبناء ذلك السد الشهير قرب مدينة الهندية، المعروف بسدة الهندية. سمعنا عن رسائل جيشن الجيوش. ها هنا بيتان من الشعر أقاما سداً على نهر الفرات.
على غرار ذلك، وردت برقية من السيد محمد القزويني على لسان الحاج مصطفى كبة إلى نقيب أشراف بغداد السيد سلمان النقيب، بشأن مدّ ترعة توصل الماء إلى مدينة كربلاء. وتطلب ذلك مرور الترعة من أراضي السيد النقيب. بعث إليه بهذين البيتين يستعطفه في ذلك، ويقول:
في كربلا لك عصبة تشكو الظما
من فيض كفك تستمد رواءها
أتراك يا ساقي عطاشى كربلا
وأبوك ساقي الحوض تمنع ماءها
ولكن الشاعر في هذه الحالة عبر بشعره عن تحريك مروءة المخاطب.
جمعت رابطة الأدب والعلم بين السيد أحمد الراوي والعلامة الشيخ عباس كاشف الغطاء. كان كلاهما من ذوي الفضل والكرم وسعة المعرفة. وجمعت بينهما صلات أخوية. سمع الشيخ أبو الفضل بتعيين أحمد الراوي قاضياً في مدينة الكوت، فبعث إليه ببرقية تهنئة بهذه القافية الإيقاعية والتورية اللطيفة:
يقولون قاضي الكوت أصبح راوياً
ولا خير في قاض إذا لم يكن «راوي»
ولكنني صادٍ إلى نيل فضله
وناهيك في صاد إلى ماجد «راوي»
«أبو الفضل» يُروى الفضل عنكم مسلسلاً
وعهدة هذا النقل في ذمة «الراوي»
وصلت البرقية إلى مكتب القاضي، فتناول القلم، وأجاب عنها ببرقية جوابية بهذه الكلمات:
إذا ما روى الراوي حديث علومكم
أبا الفضل لا يحلو لغيركم الراوي
لأنكم سر الوجود وأنكم
مشارع علم عنكم يصدر الراوي


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة