سوسن الشاعر
إعلامية بحرينية تكتب في بعض الصحف البحرينية منها «الوطن» و«بوابة العين الإخبارية». عضو في مجلس أمناء «جائزة الصحافة العربية». كانت مقدمة لبعض البرامج التليفزيونية. خريجة جامعة بيروت العربية.
TT

هل دول الخليج حلفاء للمؤسسة العسكرية الأميركية أعداء للإدارة الأميركية؟

عودة المقاتلات الأميركية للعراق من أجل الحرب على «داعش» صورة فاحشة لتراجعات الرئيس الأميركي باراك أوباما عن وعوده الانتخابية، وتظهر مدى الفقر في تحديد أوجه المخاطر الأمنية لتلك الإدارة، مما يجعل كلفتها على المصالح الأميركية باهظة.
فـ«داعش» وبقية التنظيمات المسلحة المتقاتلة في العراق وسوريا لم يتمددوا ويحتلوا تلك المنطقة الشاسعة، إلا بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق، والاعتماد على جيش وحكومة لم يتسنَّ لهما تأسيس دولة، ورغم ذلك تخلت الإدارة الأميركية عن مسؤوليتها تجاه دولة أسقطت نظامها وتركتها عرضة لنهش التنظيمات المسلحة بتنوعاتها.
على عكس التوصيات التي قدمتها المؤسسة العسكرية، أصر الرئيس أوباما على قراره بسحب القوات الأميركية، وها هو بعد أقل من عامين من سحبها يعيدها مرة أخرى، وإن كانت العودة مقتصرة على سلاح الطيران، فإن البيانات التي يصدرها العسكريون تؤكد أن الوجود على الأرض سيصبح ضرورة حتمية، شاء أوباما أم أبى، إن أراد فعلا القضاء على «داعش».
شتان بين الرؤية «السياسية» لإدارة أوباما والرؤية «العسكرية»، ولم يكن التباعد بين السياسة الأمنية الأميركية والسياسة الخارجية الأميركية في أي من الإدارات السابقة كما هو الحال الآن في عهد هذا الرئيس، فقد عارضت المؤسسة العسكرية الانسحاب المبكر من العراق، وعارضت تقليص قواتها، كما عارضت تردده في عدم التدخل في سوريا، ومنذ موقف باراك أوباما المتردد في القرار العسكري في مواجهة الأزمة السورية والانتقادات من المسؤولين العسكريين بدأت تظهر على السطح، فوزيرا الدفاع السابقان روبرت غيتس وليون بانيتا وجّها نقدا شديد اللهجة لنهج الرئيس الأميركي حيال سوريا، وطلبا من الكونغرس الموافقة على عمل عسكري محتمل ضد النظام السوري.
وقال بانيتا: «عندما يحدد رئيس الولايات المتحدة خطا أحمر، فإن مصداقية هذا البلد تتوقف على ترجمة أقواله إلى أفعال»، وذلك في ندوة نظمتها جامعة ساوذرن ميتوديست يونيفرستي في دالاس (تكساس، جنوب) في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي.
في ديسمبر (كانون الأول) من ذات العام كتب بيت هوكسترا، الرئيس السابق للجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأميركي، بمجلة «ناشيونال ريفيو»، مقالا أشار فيه إلى فشل إدارة أوباما الخارجية، وكيف أنها فقدت الأصدقاء القدامى في الشرق الأوسط، لتضع يدها في أيدي أصدقاء آخرين، هم الجماعات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة، وكيف أنها أسقطت نظام القذافي لتحول ليبيا إلى دولة تديرها الميليشيات الإرهابية، جاء ذلك الانتقاد على أثر مقتل السفير الأميركي في بنغازي.
أما جورج فريدمان مؤلف كتاب «القرن القادم» الشهير، فإنه انتقد سياسية الإدارة الأميركية الحالية وحذر بأنها ستقود إلى أفول الإمبراطورية الأميركية، وأن تقليص الوجود العسكري الأميركي في الخارج أو إضعافه استراتيجية تنظر إلى الولايات المتحدة كجمهورية لا كإمبراطورية، على حد قوله.
ويؤكد فريدمان أنه على الإدارة الأميركية أن تنظر إلى سياستها الخارجية الدبلوماسية لتتسق مع السياسة الأمنية، لأنها السبيل الوحيد لبقاء «الإمبراطورية الأميركية»، وأن انغلاق الولايات المتحدة الأميركية على نفسها والاكتفاء بكونها جمهورية، سيقودان حتما إلى بداية النهاية والأفول، تماما كما حدث مع الإمبراطورية الرومانية ومن بعدها البريطانية.
يبدو التخبط واضحا والتباين على أشده بين الدبلوماسية الأميركية ومؤسستها العسكرية في الوقت الذي أحوج ما تكون فيه المقاتلات الأميركية إلى وحدة القرار، ففي الوقت الذي تحلق فيه مقاتلات لثلاث دول من الحلفاء ضد الإرهاب تحت قيادة مركزية واحدة تبرزها الإعلانات التي يصدرها مركز القيادة الأميركية (سنتكوم) عن أخبار المقاتلات السعودية والإماراتية جنبا إلى جنب المقاتلات الأميركية في الغارات الجوية في سوريا، والتي من المفروض أن تعبر عن صورة من صور التلاحم العسكري والأمني بين حلفاء الولايات المتحدة، فالطيار الأميركي أو السعودي أو الإماراتي أو البحريني يضع كل منهم ثقته بالآخر بدرجة تفوق في درجتها مرحلة المجاملة الدبلوماسية أو مجرد التنسيق الأمني بين ثلاث حكومات، فكل طيار من هؤلاء يحمي أحدهم ظهر الآخر، ويعتمد أحدهم على الآخر في إنقاذ حياته، نتحدث هنا عن علاقة إنسانية وعقائد قتالية مشتركة تتجاوز إطار «المصالح المشتركة» بين ثلاث حكومات، في مثل هذا الوقت الحرج تسيء الدبلوماسية الأميركية لبقية حلفائها بالشكل الذي أحدثته تصريحات جو بايدن نائب الرئيس الأميركي، معرضة أمن وسلامة ذلك التنسيق والتحالف العسكري للخطر.
لقد تبدت تلك الصورة التلاحمية بين مقاتلي دول الحلفاء في رد فعل قوي على سخرية تعرضت لها الطيار حربي الإماراتية مريم المنصوري من إحدى المحطات التلفزيونية الأميركية حين بعث 60 شخصا من قدامى المحاربين في الولايات المتحدة برسالة مفتوحة يعلنون فيها اعتراضهم الشديد على تعليقات محطة «فوكس نيوز».
وجاء في الرسالة أن التعليقات غير مسؤولة وبعيدة عن الاحترام، وتقلل من شأن امرأة تلعب دور الملهم بما فعلته في منطقة أصبحت في أشد الحاجة إلى مثل هذا النموذج لتغيير الواقع إلى الأفضل.
كما جاء في نص الرسالة التي وجهها المحاربون القدامى إلى المحطة التلفزيونية أن التعليقات المسيئة لا تتوافق مع عقيدة الجيش الأميركي، كما أنها تحمل إساءة كبيرة لكثير من المقاتلات في سلاح الجو الأميركي، وحملت الرسالة اعتذارا للميجور مريم المنصوري، مع إقرار بأن الشعب الأميركي يحترم ما قامت به ويقدره كثيرا.
لم تكن تلك الصورة الخلافية هي الوحيدة التي تظهر التباعد بين تصور المؤسسة العسكرية لمكامن المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، فإبان الأزمة البحرينية تجلت تلك الاختلافات والتباينات بين المؤسستين وما زالت تلقي بآثارها على العلاقة الثنائية بين البحرين والولايات المتحدة، إذ دأب القادة العسكريون، خصوصا «السابقين» سواء من البحرية الأميركية التابعين للأسطول أو من القيادات الحالية، على تقديم التبريرات والاعتذارات عن سوء فهم الخارجية الأميركية وتصريحاتها التي تسيء لمملكة البحرين، وإلى هذه اللحظة وفي الوقت الذي تتلاحم فيها المقاتلات البحرينية مع المقاتلات الأميركية في مصير مشترك في حربهما ضد الإرهاب تستمر وزارة الخارجية الأميركية بالتدخل في الشؤون الداخلية المحلية، وتملي على السلطات البحرينية قراراتها لتتدخل حتى في السلطة القضائية وتطالبها بالإفراج عن متهمين أو مدانين، لتشوش بتلك الازدواجية والتخبط على حالة الانسجام بين المؤسستين العسكريتين البحرينية والأميركية في حرب مشتركة.
والأمر ذاته حدث مع المملكة العربية السعودية والإمارات حين اضطر نائب الرئيس إلى الاعتذار لدول أساء إليها في الوقت الذي يقاتل فيه طياروها جنبا إلى جنب مع مقاتلي دولته.
إن على الولايات المتحدة أن تحسم أمر سياستها الخارجية لتتسق مع أمن وسلامة مقاتليها خارج حدودها قبل أن تتسق حتى مع مصالح حلفائها، كما أن على الدول العربية وخصوصا دول الخليج تلك التي تشاركها في حربها على الإرهاب أن تحسم موقفها من هذا التخبط وتستفيد منه ومن تلك التباينات في ما يخدم مصالحها. كفانا ردود فعل لنتعلم الأخذ بزمام المبادرة حين تتاح ظروف مثالية كهذه.