... ويسطع هلال الكرامة ويعبرون الجسر

... ويسطع هلال الكرامة ويعبرون الجسر

الخميس - 24 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 21 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14968]
حنا صالح
كاتب لبناني

منذ سنوات ومنطقة شرق المتوسط أمام تحدي الهلال الإيراني الممتد من طهران إلى بيروت، الذي يرمز إلى هيمنة نظام الملالي الذي أتحفنا دوماً بهيمنتهم على أربع عواصم عربية.
وقبل فترة أثاروا الضجيج عن فتح معبر البوكمال على الحدود العراقية - السورية، موجهين رسائل عن إقامة الجسر البري الذي يربط إيران بالمتوسط؛ ما يعني أن خطوط التدخل العسكري للحرس الثوري ستكون آمنة ومفتوحة على غاربها.
اليوم، الصورة تتبلور والحدث يكتمل والهلال الحقيقي يصنعه الناس ويتقدم كي يصبح بدراً. وجه المنطقة في طريقه لأن يتغير رغم الصعوبات الجسيمة. إنها الصورة التي يصنعها ناسٌ وحّد الوجع مواقفهم، وصلّب التطاول على حقوقهم تراص صفوفهم، والتمادي في انتهاك كراماتهم أنزلهم إلى الساحات والشوارع بوجه أنظمة الظلم والنهب والفساد والمحاصصة. بالتأكيد، العنصر المطلبي - المعيشي هو المحرك والدافع لكل التحرك الشعبي المتشابه والمتكامل الممتد من إيران إلى لبنان مروراً بالعراق.
قرار حكام طهران زيادة على أسعار الوقود 50 في المائة، بذريعة توفير المساعدة إلى 60 مليون إيراني تحت خط الفقر، حسب روحاني بالذات، أفاض الكأس، تماماً مثل زيادة 20 سنتاً على الاتصالات المحكية «واتساب». بعده زحف المواطنون، أقاموا الوقفات الاحتجاجية؛ ما تسبب في شل الحركة في 53 مدينة إيرانية في تشابه كبير مع ما يجري في لبنان والعراق.
بالعمق، كل ما يجري يصوب على المسبب الحقيقي لهذا الانهيار في معيشة الناس وانتهاك حقوق المواطنين واغتصاب كراماتهم. فبعد أربعين سنة من حكم الملالي، تدهورت الأوضاع المعيشية وباتت الأغلبية الساحقة من الإيرانيين تعيش فقراً مدقعاً، نتيجة تبديد ثروات إيران على الحروب الخارجية والتدخل في شؤون دول المنطقة، بحيث أصبح من المتعذر على الأكثرية الشعبية الحصول على الحد الأدنى من مستلزمات العيش الكريم. لذا؛ كان التركيز على الدعوة لإسقاط النظام وإسقاط الديكتاتور الذي حُرقت صوره وهُوجمت المصارف وأُحرقت مقرات لـ«الباسيج»، وارتفع شعار «كلن يعني كلن» كما في لبنان، وعاد إلى المدن الإيرانية الشعار المعروف: «لا غزة ولا لبنان روحي فداء إيران»، ويوضح الغاضبون في الشوارع: «لسنا على خلاف مع الشعوب، لكن الخلاف هو مع النظام ووكلائه وتدخله الخبيث في الدول الأخرى».
وفي بغداد كما في النجف أو الناصرية وكربلاء والبصرة استوعبت الجماهير الغاضبة القمع المنفلت، وتجددت الثورة لتفرض إعادة خلط أوراق ما سيؤثر على مجمل أداء السلطة، العالقة من جهة بين مطالبات قاسم سليماني بممارسة المزيد من القمع، ومن جهة أخرى بعجز التركيبة السلطوية التي صنّعتها إيران عن تحقيق أي مطلب؛ لأنه قد يكون البداية لسلسلة تنازلات من شأنها أن تهز الهيمنة الإيرانية على بلاد الرافدين، وتتسع الاحتجاجات الشعبية، ويدوي مجدداً الهتاف: «عراق حرة حرة إيران برا برا».
وفي حين تهتف ساحة رياض الصلح: «من بيروت لبغداد ثورة واحدة لا تموت»، لترد بغداد برفع العلم اللبناني في ساحة التحرير إلى جانب العلم العراقي... تدخل ثورة الكرامة شهرها الثاني وفي جعبتها إسقاط حكومة المحاصصة الطائفية التي فرضها «حزب الله»، وحرق ترشيح مرشح متهم بالفساد - محمد الصفدي - شكل طرح اسمه استفزازاً للثوار الذين يطالبون بالمساءلة والمحاسبة والشفافية، وسحبت الوكالة من برلمان فاسد وُجِدَ نتيجة قانون طائفي زور إرادة الناخبين، وتوحدت مناطق لبنان واستعادت المدن البهاء وعاد إلى الناس وسط بيروت المدينة الجامعة، وبات على جدول الأعمال مطلب قيام حكومة مستقلة عن أحزاب السلطة الطائفية.
إنه هلال الكرامة يسطع ويمتد وشعوب المنطقة «يعبرون الجسر خفافاً» كما رسم الصورة المبدع خليل حاوي قبل نحو سبعة عقود:
«من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق، إلى الشرق الجديد، أضلعي امتدت لهم جسراً وطيداً».
بوضوح ما بعده وضوح، لم يخرج الناس إلى الشوارع والساحات هذه التشارين (تشرين الأول وتشرين الثاني) (أكتوبر ونوفمبر)، بهذه الصورة غير المسبوقة، ولم يستمروا كل هذا الوقت، وبكل هذا العزم وبكل هذه الصلابة، وبكل ما تطلّبه ذلك من صبر ومن تضحيات وأساساً كسراً للخوف، إلا لأنهم لم يجدوا وسيلة أخرى لمواجهة الخراب المستشري والفساد المتفاقم، والنهب الذي أكل الأخضر واليابس، وانتهك الحقوق والكرامات، كنتيجة لمحاصصة طائفية جعلت الدولة، وتحديداً في لبنان والعراق غنيمة يتقاسمونها فيما بينهم. ويتأكد أن بائعي الأوهام لم يتخلوا عن محاولات الالتفاف على المطالب لتجديد نظام المحاصصة وهاجسهم في لبنان استنساخ الحكومة الساقطة، وحتى اللحظة لم يدركوا أن ما بعد هذه الاحتجاجات الكبرى ليس كما قبلها!
مطلب التغيير يتقدم وتظهر القوى الشابة التي اتخذت مكانها في قيادة التغيير جرأة تبشر بالكثير، ورغم المخاطر الاستثنائية الناجمة عن أن نظام الملالي، مباشرة وعبر وكلائه، لن يتورع عن محاولة إغراق هذه الاحتجاجات السلمية بالدم؛ لأن كل منطلقاته تنحو إلى أن أي تراجع في أي من بلدان المنطقة يهدد سلطانه، وهنا يكمن بالضبط العجز العام عن تلبية مطالب الناس، حتى الأولوية منها مثل اتخاذ خطوات جدية ملموسة النتائج في ملاحقة الفاسدين وبدء استرجاع الأموال المنهوبة وإلغاء الامتيازات... على طريق بدء تغيير سياسي يطوي كل المرحلة السابقة.
في لفتة معبرة كتب الزميل حازم صاغية يقول: «كما لو أن المنطقة تنتقم لسوريا وشعبها»، وأُضيف أن شعوبنا بدأت المسيرة الأصعب والأكثر دينامية لتصحيح الأخطاء الجسيمة التي تسبب بها نظام الخميني ونهج «تصدير الثورة»! وفي لبنان حيث تتجدد وتتجذر الثورة الشعبية المذهلة التي صدّعت التحالف الطائفي المتسلط بات تحقيق الأهداف صبر ساعة قبل الانتقال لاستعادة الدولة والجمهورية وقيام لبنان المتجدد الأكثر عدالة وديمقراطية وتآخياً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة