انقلاب سروري فاشل

انقلاب سروري فاشل

الأحد - 13 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 10 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14957]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي
بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005 انقلب عدد من السروريين الذين يحررون مجلة (العصر) الإلكترونية الصادرة في أميركا على مكون آيديولوجي أساسي في تيارهم، وانقلبوا على تاريخهم، مدفوعين بمعارضة سياسية وآيديولوجية للحكومة السعودية، فاصطفوا إلى جانب تحالف 8 آذار ضد تحالف 14 آذار في لبنان. ومع حرب تموز التي شنتها إسرائيل على «حزب الله» عام 2006 تعزر هذا الانقلاب قليلاً، وكسب إلى صفه أنصاراً جدداً من السروريين، انحصر اصطفافهم في النصرة الدينية لـ«حزب الله »الذي يمثل الثقل الأول في تحالف 8 آذار. فحصل انقسام وجدالات دينية مذهبية فيما بينهم حول هذه النصرة الدينية، وبخاصة حول مقال (خدعة التحليل العقدي) الذي كتبه الدكتور محمد حامد الأحمدي، والذي هو من مجموعة مجلة (العصر). وبحسب تقرير كتبه عبد الله الرشيد عنوانه (تعامل الإسلاميين مع «حزب الله»: قراءة في أوراق حرب 2006) المنشور في جريدة «الشرق الأوسط» بتاريخ 2 يونيو (حزيران) 2013، فإن موقفهم الانقلابي من «حزب الله» هزه اجتياح هذا الحزب بيروت عام 2008، وهزه لاحقاً مشاركة ميليشيات «حزب الله» إلى جانب قوات بشار الأسد في الحرب السورية ابتداء من نهاية عام 2011، فتراجعوا عن نصرتهم الدينية لـ«حزب الله». واللافت في رصده أنه كان من بين المتراجعين الدكتور محمد حامد الأحمدي المنظّر لذلك الانقلاب في التيار السروري، لكن عند التأمل في كلامه، سنجد أنه كان مخاتلاً في تراجعه!
المكون الآيديولوجي الأساسي الذي أشير إليه في تيارهم والذي صاغ ملامحه المتمايزة عن التيار الأم، تيار «الإخوان المسلمين»، السوري محمد سرور بن نايف زين العابدين، هو العداء المطلق للإثني عشرية وللطوائف الشيعية الأخرى. فالتيار السروري فكرة ونشأة ومساراً تمحور في مكون من مكوناته السياسية والآيديولوجية على هذا العداء، والذي منه العداء للنظام السياسي السوري والنظام السياسي الإيراني و«حزب الله» و«حركة أمل».
وكما هو معلوم، فإن الثقل الأول في تحالف 8 آذار لـ«حزب الله» الشيعي والثقل الثاني فيه لـ«حركة أمل» الشيعية، وهذا التحالف مساند للحكومة السورية وللحكومة الإيرانية. وهو مدعوم من قبلهما.
هذه المقدمة سقتها لأصل إلى بيت القصيد، وبيت القصيد هنا هو فتحي يكن المتناقض مع إخوانيته ومع قطبيته والمتناقض مع كل مؤلفاته الحركية وغير الحركية، وتستر الحركة الإسلامية في العالم العربي على مواقفه المتناقضة وإخفائها عن جمهورها العريض، رغم اختلاف قياداتها الشديد معه فيها.
في أثناء إعدادي دراسة عن الدكتور عبد الله النفيسي عام 2004 أروي فيها سيرته السياسية والفكرية، لنشرها في مجلة (المجلة). كان من بين ما تصفحت مجلة (المجتمع) الكويتية منذ أول أعدادها إلى أعدادها في أواخر ثمانينات القرن الماضي، ووجدت في عدد من أعدادها في أواخر عام 1979 خبراً عن اختطاف المخابرات السورية فتحي يكن. وفي أعداد تالية عرفت أنه أطلق سراحه بعد فترة وجيزة. ولفت انتباهي أن المجلة بعد إطلاق سراحه لم تخصص موضوعات عن هذه الحادثة للتشنيع والتشهير بالرئيس حافظ الأسد ونظامه السياسي رغم أنها كانت تشن عليهما حملات سياسية ومذهبية صاخبة. هذا جعلني أتذكر أنني في منتصف التسعينات، أو في أول المنتصف الأخير من ذلك العقد، تصفحت في مكتبة تجارية كتاباً له على عجل، ووجدت أنه في بعض صفحاته يشيد بالنظام السوري. وقتها اعتقدت مخطئاً أنه موقف سياسي جديد له، أتى ربما قبيل صدور كتابه الذي لا أتذكر الآن اسمه ولا متى صدر. بعد معرفتي بحادثة الاختطاف تلك أدركت أن ولاءه للنظام السياسي السوري كان من ثمارها المبكرة واستغربت أن رفاقه الإسلاميين في العالم العربي لم يشهروا بموالاته هذه في حمأة الصراع الدامي بين «الإخوان المسلمين »في سوريا وحكومتهم.
كان هناك شخص سعودي يكتب في المنتديات الليبرالية السعودية تحت اسم أجنبي مستعار، يستهدف بالهجوم فيها، ليبراليين سعوديين، وذلك على توالي ظهور هذه المنتديات: ندوة إيلاف أولاً، منتدى طوى ثانياً، منتدى دار الندوة ثالثاً، منتدى الشبكة الليبرالية السعودية آخراً.
وكان يركز في استهدافه الهجومي على مجموعة ليبرالية بعينها. وكان هجومه عليها متصلاً ومتتابعاً، فيبرز للناظر فيه أنه هجوم ممنهج، يبدو فيه وكأنه قد انتدب نفسه لتنفيذ مهمة انتقامية مقدسة، لا يقتضي عليها أجراً، ولا ينتظر شكوراً.
التفت إلى اسمه المستعار وتابعت مداخلاته وتعليقاته والموضوعات التي يكتبها ابتداء، لأنني كنت من بين الذين يستهدفهم بهجماته وغاراته من حين إلى حين. وكنت قد لاحظت في منتصف مرحلة منتدى طوى على هذا الشخص أنه ذو اتجاه صحوي معدّل، وأنه قد يكون إخوانياً أو سرورياً. فهو يدافع عن أفكار «الإخوان المسلمين» وعن تاريخهم إزاء النقد الموجه إليهم في منتديات الإنترنت. ويدين - بإطلاقية إخوانية وسرورية - الأفكار والأنظمة السياسية التي دخل «الإخوان المسلمون» - وتالياً السروريون - معها في صراع حتى العظم. وينطلق في نظرته إلى قضايا التفاعل مع الحداثة والموقف من التراث والغرب ومسألة التحول السياسي والاجتماعي والثقافي من منطلقات الإسلاميين الأساسية ومن منطلقات التعديلات الإجرائية التي أحدثتها مجاميع منهم في سنين متأخرة. والتي منها التظاهر بالإيمان بالديمقراطية السياسية، والإيمان بالتعددية الفكرية، والإيمان بالعقل والعقلانية الحديثة، ليقدموا أنفسهم بوصفهم أصحاب ملة سياسية وفكرية تحديثية، سمحة ومتسامحة. وكان من تناقضات صاحبنا أنه يعلي من شأن هذه الإيمانات، ويظهر ميلاً واضحاً لفكر أهل الكلام والمعتزلة، وذلك من باب كما أن للغرب عقلانيته التي نقلته من ذهنية عتيقة إلى ذهنية حديثة، فلنا نحن المسلمين عقلانيتنا الخاصة بنا التي سبقنا بها عقلانية الغرب وحداثته، ويتخذ في الوقت عينه موقفاً عدائياً وعدوانياً من آراء الليبراليين السعوديين السياسية والفكرية ومن أشخاصهم. ويستنقص من تجربة التحول السياسي والفكري عند بعض الصحويين الذين اشتهروا إعلامياً ويستخف بها. ويناصبهم العداء، لأن تحولهم كان حقيقياً وجذرياً، ولم يكن مناورة أو مجرد تعديل إجرائي، يكون فيها حال الصحوي المعدَّل كما حال القبطي الذي أسلم عن غير قناعة، وكان حينما يمر بكنيسة يخاطبها بحنان وتحنان وحنين قائلاً: «اللِّي في الألب في الألب يا كنيسة»، والتشبيه هنا تشبيه مجازي، فالصحوي المعدّل كنيسته هي أفكاره الأساسية والأصلية.
تبين لي ولتلك المجموعة من خلال بعض الأخطاء التي اقترفها، والتي وشت لنا باسمه الحقيقي، أنه فلان من الناس الذي نحن على معرفة شخصية به.
وقد واجهه بعضنا بأنه هو فأنكر أنه هو. ولكي يؤكد للذين واجهوه بهذا الأمر أنه ليس هو كان يبلغ كل واحد منهم حين مواجهته أنه يخصه وحده من دون باقي المجموعة بالتقدير العقلي والتثمين الثقافي. وعليه فهو لا يمكن أن يتعرض له بسوء تحت اسم مستعار في منتديات الإنترنت.
في بداية تعرفي إلى هذا الشخص لم أستبن توجهه على نحو محدد ودقيق، لأنه كان لا يفصح عنه بوضوح، لكن مع سماعي لمزيد من مشاركاته في المناقشة والجدل في مجلس كاتب ليبرالي، استبنت أنه ذو اتجاه سروري محجب.
مع انضمام فتحي يكن وجبهة العمل الإسلامي التي أنشأها إلى تحالف 8 آذار في عام 2006م راح صاحبنا تحت اسمه الإنترنتي المستعار يكيل له المدائح في منتديات الإنترنت، ويصف انضمامه إلى ذلك التحالف بأنه ينطلق من انفتاح سياسي وتفتح فكري وسعة أفق... إلخ.
في أحد لقاءاتي الانفرادية به، وكان في مقهى، سألته: ما الذي جعل فتحي يكن ينضم إلى تحالف 8 آذار؟
وكانت إجابته هي الأنشودة الليبرالية التي كان يرددها تحت اسمه المستعار في منتديات الإنترنت في التمدح بفتحي يكن.
قلت له: إن صاحبك مثال ساطع في كل ما كتبه على التزمت والتشدد والتطرف والمغالاة والانغلاق الثقافي والفكري. والسبب الذي جعله ينضم إلى ذلك التحالف، هو أنه تابع منذ سنين طويلة للنظام السياسي السوري. فهو - ببساطة - قد أُمر من قبل هذا النظام بأن ينضم فانضم. وذلك لنزع الطابع الطائفي عن تحالف 8 آذار بقيادة «حزب الله». وسردت له ما أعرفه من حكايته التي تتستر عليها الحركة الإسلامية في مجلاتها وكتبها.
ومع إظهاري له هذه المعلومة، إلا أني رأيت أنه في تعليقاته في منتديات الإنترنت استمر على موقفه الإيجابي السابق من فتحي يكن. وهذا يرجع إلى أنه أصلاً منحاز إلى تحالف 8 آذار، كما هو موقف مجلة (العصر) السرورية الأميركانية.
نعود إلى حديثنا الفرعي عن كتاب أبي عبد الإله صالح بن مقبل العصيمي (من أخبار المنتكسين مع: الأسباب والعلاج) المتحدّر عن حديث أصلي عن كتاب سليمان الخراشي (عبد الله القصيمي.. وجهة نظر أخرى!)، والذي دعاني إلى الحديث عنه جعل سليمان الخراشي ما قاله عن القصيمي خاتمة الردود على القصيمي، والتي جمعها في كتابه المشار إليه آنفاً، فأقول: إنه في الطبعة المتأخرة لكتاب العصيمي، الذي أورد الخراشي في كتابه ما قاله عن القصيمي، تحسنت معلوماته عن القصيمي كثيراً. وهذا بفضل قراءته لكتاب يورغن فازلا عن القصيمي بعد ترجمته إلى اللغة العربية.
في تقديري أن إيراد سليمان الخراشي ما قاله العصيمي عن القصيمي له سببان: الأول، إسرافه في الحشو ليكبِّر حجم كتابه عن القصيمي. والآخر، يمكن أن نعبر عنه بالقول إنها لفتة تشجيع من صحوي مشهور في السعودية لكتاب صحوي مغمور فيها. وللحديث بقية.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة