أموال الصينيين لخدمة الصين!

أموال الصينيين لخدمة الصين!

الأحد - 13 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 10 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [14957]
حين يعلن موسم الانتخابات في بريطانيا عن حضوره يُصاب السياسيون والإعلاميون بلوثة جنون، وبقدرة قادر تضيق المساحات في وسائل الإعلام عن أخبار الدنيا، لتستحوذ عليها متابعات الحملات الانتخابية لمختلف الأحزاب، وما استجد فيها من تطورات، وآخر ما طفا على سطحها من أكاذيب وإشاعات، وما يجري وراء كواليسها من لقاءات واتفاقات، حتى يكاد المرء يُصاب باختناق. ومع ذلك، ولطول الموسم الانتخابي، تتسرب، من هنا وهناك، ومن حين لآخر، تقارير وأخبار، مختلفة، لافتة للانتباه، ومثيرة للاهتمام، ومن العبث تجاهلها.
آخر ما اطلعت عليه من هذه التقارير، في صحيفة «التايمز»، يتعلق بما يحدث منذ سنوات قليلة، بين جدران الجامعات البريطانية وردهاتها، من صراعات تمسّ بشكل مباشر تقاليدها العريقة، واستقلاليتها، وحريتها الأكاديمية. «من يدفع أجرة الزّمّار يختار اللحن»... هذا المثل الشعبي الإنجليزي، ليس بعيداً، على ما يبدو، عن وصف واقع الحال، هذه الأيام، في الجامعات البريطانية في علاقاتها بالطلاب الأجانب الدارسين بها، خصوصاً من الصين. هناك حقائق كثيرة تفرض حضورها على حسابات الواقع الأكاديمي البريطاني، وهي أن هذه الجامعات، في حاجة إلى الطلاب الأجانب، أو بالأصح في أمسّ الحاجة إلى أموال الطلاب الأجانب، ممثلة فيما يدفعونه من رسوم مالية تُعدّ عالية، لكي تواصل أداء رسالتها التعليمية. لكن حين يكون عدد طلاب دولة واحدة يتجاوز الآلاف، يصير من الممكن لتلك الدولة، ليس حق طلب اختيار عزف لحن أو ألحان معينة من الزّمّار، بل إمكانية الطلب منه عدم عزف ألحان أخرى، معروفة، ومشهورة!
التقرير الصادر عن لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، هذا الأسبوع، يؤكد أن حكومة بكين حاولت الحد من الانتقادات الموجهة ضد نظامها السياسي في الجامعات البريطانية، مما يعرّض الحرية الأكاديمية للضرر والخطر. ولذلك ينبه ويحذر الجامعات من أن الاستثمار «يجب ألا يفوق معايير الحرية الأكاديمية الدولية».
ارتفع عدد الطلبة الصينيين الدارسين في بريطانيا حسب الإحصائيات الرسمية، في السنوات الأخيرة إلى 100 ألف طالب، يدفع كل واحد منهم رسوماً دراسية سنوية لا تقل عن 40 ألف جنيه إسترليني، إضافة إلى وجود عدد من الشراكات الأكاديمية بين الجامعات البريطانية ونظيراتها في الصين، مما يعني أن ما تحصده الجامعات البريطانية من أموال سنوياً يُقدر بالملايين، وبالتالي الحرص على استمرار تدفقها، ما يضع المسؤولين بالجامعات في موقف المتفاهم، انتهازياً، لمطالب المسؤولين الصينيين، والسعي لتلبيتها، حتى وإن كان ذلك على حساب أمور ومعايير أكاديمية عريقة، أكسبت تلك الجامعات ما تحظى به من سمعة دولية. وتبيّن من تقرير اللجنة البرلمانية العديد من التجاوزات المرتكبة بغرض إرضاء حكومة بكين، أجدرها بالذكر:
1 - قيام إحدى الجامعات المعروفة بإلغاء إقامة ندوة بطلب من حكومة بكين، لعدم رضا الأخيرة عن أحد المتحدثين بها.
2 - تعرُّض جامعة أخرى إلى ضغوط من السفير الصيني لدى بريطانيا أدت بها إلى الطلب من أحد كبار الأساتذة تفادي الإدلاء بتعليقات سياسية عن الصين لفترة معينة.
3 - أدلة تثبت استخدام رابطة الطلبة والأساتذة الصينيين المدعومة من الحكومة الصينية في التجسس على الطلبة في بريطانيا.
هذه النقطة بالذات تذكرني شخصياً بما كان يقوم به نظام العقيد القذافي من متابعات أمنية للطلبة الليبيين الدارسين في الخارج، وإيفاد المئات من رجال الأمن إلى الخارج كطلاب بغرض التجسس على الطلبة، وكتابة تقارير حول نشاطاتهم، وعلاقاتهم بالنشطاء والمعارضين لنظام القذافي.
4 - قيام المسؤولين بمعهد كونفوشيوس المدعوم من الحكومة الصينية ويدير برامج في علوم اللغات والثقافة عبر البحار، بسحب أوراق دراسية تقدم بها أحد الباحثين في مؤتمر أكاديمي تتناول تايوان.
كل ذلك جعل أعضاء اللجنة البرلمانية حريصين على إصدار اتهام إلى الجامعات بأنها غير مدركة «للمخاطر التي تتعرض لها الحرية الأكاديمية من جراء تزايد نمو اعتمادها على الأموال الصينية». كما أشاروا إلى افتقاد وجود دليل رسمي حكومي بريطاني يتعلق بالمشكلة.
ورغم تعاظم هذه الإشكالية، وما تشكله من خطر على الحرية الأكاديمية وتداعياتها، فإن التزام الصمت تجاهها سمة واضحة، على عكس ما حدث في الولايات المتحدة وأستراليا، حينما انبثقت المشكلة نفسها على السطح، وأثارت نقاشاً عاماً يتعلق بالمخاطر التي قد تتعرض لها الحرية الأكاديمية.
الغريب أن وزارة الخارجية البريطانية، منذ ظهور المشكلة، لم يبد منها ما يشير إلى اهتمامها، الأمر الذي حدا بأعضاء اللجنة البرلمانية إلى لفت انتباهها للمشكلة، وحثّها على ضرورة تبني استراتيجية تكون بمثابة المرشد للجامعات في التعامل مع ما قد ينجم عنها من تهديدات تضر بالحرية الأكاديمية.
الجامعة الوحيدة التي حظيت بالإشادة في تقرير اللجنة هي «مدرسة لندن الاقتصادية»، جامعة لندن، التي قامت بإلغاء تدريس برنامج أكاديمي حول الصين موّلته شركة موالية لحكومة بكين، خشية أن يتسبب في المساس بالحرية الأكاديمية.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة