ثورة 17 أكتوبر ومثلث {المأزومين» في لبنان

ثورة 17 أكتوبر ومثلث {المأزومين» في لبنان

الثلاثاء - 1 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 29 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14945]
نديم قطيش
إعلامي لبناني
وضعت «ثورة 17 أكتوبر»، جميع القوى اللبنانية، أمام مآزق شديدة الصعوبة. فالرئيس ميشال عون، وصهره وزير الخارجية جبران باسيل، اللذان بالغا في صياغة وعي مسيحي حول الرئيس القوي، والتمثيل الصحيح، والشراكة الحقة، يكتشفان بالملموس انهيار عمارة كاملة من خطاب الشعبوية السياسية الذي اعتمداه.
قدمت العونية نفسها حركةً تصحيحيةً حقوقيةً داخل منظومة دستور «اتفاق الطائف»، الذي عُد في أطر مسيحية واسعة، اتفاقاً مجحفاً بحقهم، وتلقفته نخب مسيحية على أنه ترجمة لخسارة المسيحيين للحرب الأهلية. غير أن وصول عون للرئاسة، الذي به يفترض أن تستعاد الحقوق، ويعاد التوازن لميزان العدل والشراكة، يكشف عن فضيحة على مستوى الإنجاز الفعلي، الذي يكاد لا يعثر عليه بعد مضي ثلاث سنوات من عهد عون. فكيف يكون عهد الرئيس إلياس الهراوي، أقل الرؤساء تمثيلية بعد «الطائف»، أكثر إنجازاً من عهد الرئيس عون، الأوسع تمثيلية منذ انتهاء الحرب الأهلية؟ إنه انهيار مريع في صورة العونية عن نفسها، تجلت أقسى صوره في تحول بطلها، جبران باسيل، إلى العدو الشعبي الأول في الشارع، على نحو لم تتعرض له شخصية سياسية في لبنان طوال قرن كامل هو عمر الكيان اللبناني.
أما رئيس الحكومة سعد الحريري، فهو النقطة الأضعف في الأزمة الحالية، مجرداً من الكثير من عناصر منعة وقوة الحريرية السياسية.
قامت هذه الظاهرة على مرتكزات أربعة: 1 - ثروة صنعها رفيق الحريري في المملكة العربية السعودية، 2 - علاقة استثنائية وخاصة مع الرياض، لا سيما في عهدي الملك فهد بن عبد العزيز وبعده الملك عبد الله بن عبد العزيز (رحمهما الله)، 3 - عضوية رفيق الحريري الأكيدة في نادي الكبار في العالم، 4 - رئاسة الحكومة اللبنانية.
لم يبقَ في جعبة الحريري إلا المكون الأخير من مكونات الزعامة التي ورثها، أي رئاسة الحكومة، وهي اليوم ضعيفة، تتعرض للتطاول والتغول عليها من قبل حلفاء الحريري الجدد، العونيين، قبل غيرهم، وهو في هذا الموقع اليوم بعد 14 عاماً، ليس ضحية فقط، بل مسؤول أيضاً عما آلت إليه أوضاعه وأوضاع البلاد. بحجة التسوية ومتطلباتها، كما بحجة البعد عن السياسة لصالح الهم الاقتصادي، اختار الحريري الإمحاء خلف حلفائه، لا سيما جبران باسيل، وهو ما يفسر جزءاً من عدم قسوة خطاب الثورة عليه. فلا سبب للمتظاهر الذي يقف أمام السراي الحكومي وسط بيروت، في أن يشتم باسيل، إلا أنه يعده الرئيس الفعلي للحكومة في مقابل الرئيس الدستوري لها!! الأسوأ من أن تُشتم، وأنت على رأس سلطة مدانة جماهيرياً، هو ألا تُشتم، لأن في ذلك أمارة على عدم حضورك في أذهان الناس.
وإذا كان الحريري يغالب أزمة ضعفه، فإن «حزب الله» يصطدم بأزمة قوته. منذ عام 2005، وكلما ظن «حزب الله»، أنه بات يمسك بلبنان، اصطدم بقدرة الناس على المراوغة والتفلت من قبضته. بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري نظم «حزب الله» مظاهرة حاشدة في الثامن من مارس (آذار) 2005 شكر فيها سوريا، المتهمة شعبياً يومها بالوقوف وراء الجريمة. انتفض الناس في وجه تعاليه في الرابع عشر من مارس (آذار) في مظاهرة ظلت حتى الثورة الجارية الآن الأكبر في تاريخ لبنان.
وبعد حرب 2006، ورغم كل خطاب التخوين والتهويل، لم ينجح «حزب الله» في جعل سرديته عن الحرب و«الانتصار» فيها، سردية وطنية مقبولة، ولم يُضعف شهية الرأي العام لمواجهته، حتى كان هجومه السافر على المدنيين في بيروت وجبل لبنان في السابع من مايو (أيار) 2008.
وإذ ظن الحزب أنه تمكن من قرار اللبنانيين عبر إجبار قادتهم على توقيع «اتفاق الدوحة»، الذي أدخل تعديلات بالممارسة والاتفاق السياسي على «دستور الطائف»، تبين له أن الصفعة ردت له في انتخابات عام 2009، التي كان يمني النفس بكسبها، وإعادة تشكيل السلطة، وفق نتائجها، حسب الخطاب المعلن لـ«حزب الله» يومها.
وحين أسقطت حكومة الحريري، مطلع عام 2011، وكلف الرئيس نجيب ميقاتي بتشكيل حكومة بديلة، حصل أمران ارتبطا بموقف الناس. سرعان ما وجد العامة والناشطون سبباً للتجسير مع الثورة السورية في مواجهة النظام السوري و«حزب الله»، وهو ما دفع بالرئيس ميقاتي للمبالغة في محاولة التفلت من قرار «حزب الله»، الذي أتي به رئيساً للحكومة، لأنه أحسن قراءة مزاج الناس، لا سيما الطائفة السنية. حرص ميقاتي خلال توليه الحكومة على تظهير استقلاليته في الملفات الشائكة كتمويل المحكمة الدولية مثلاً، وحرص «حزب الله» على تفهمه، وفي الحالين كان الطرفان يدركان أن الناس في مكان آخر. أما حين ركَب «حزب الله» بعد التسوية الرئاسية، أركان العهد الحالي رئاسة وحكومة ورئيس حكومة، وهو للدقة عهده وليس عهد ميشال عون، خُيل له أنه للمرة الأولى بات يمسك بكامل مفاصل النظام اللبناني.
غير أن رمال لبنان المتحركة كانت على موعد مع تقلبات جديدة مثلتها ثورة 17 أكتوبر، التي شملت هذه المرة بيئة «حزب الله» نفسها، في الجنوب والبقاع وبعلبك، بعد تفلتات أصغر خلال السنوات الماضية، لا سيما في الضاحية الجنوبية لبيروت.
كلما ظن «حزب الله» أنه الأقدر، تبين له أن لبنان أكثر مراوغة وأوسع مخيلة وأثرى حيلة منه، وأنه سرعان ما لا يعثر بين عدته للمواجهة إلا على القوة العارية.
هذه هي الثلاث أزمات التي كشفها وهج ثورة 17 أكتوبر.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة