إعادة توجيه البوصلة الكردية

إعادة توجيه البوصلة الكردية

الثلاثاء - 16 صفر 1441 هـ - 15 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14931]
فايز سارة
كاتب وصحافيّ سوريّ
ربما كان الكورد أكثر المجموعات العرقية، التي عانت بين شعوب شرق المتوسط. ولم تقتصر معاناتهم على ما ذاقوه من عسف سياسات الأنظمة التي حكمت دول المنطقة طوال القرن العشرين، بل إنهم عانوا أيضاً من خذلان المجتمع الدولي وزعماء الدول الكبرى الذين أطلقوا وعوداً بمعالجة القضية الكردية عبر إقامة دولة تجمعهم على نحو ما تم من إقامة دول لشعوب ومجموعات عرقية أخرى في المنطقة، ومنها وعود ذهبت إلى النسيان لاثنين من زعماء كان بإمكانهما المساعدة في إقامة دولة كوردية هما الرئيس الأميركي وودرو ويلسون عقب الحرب العالمية الأولى، والزعيم الروسي جوزيف ستالين في خلال الحرب العالمية الثانية.
الأهم من خيبة الكورد في حلم دولتهم، كانت خيبتهم من سياسات الدول حديثة التكوين التي توزعوا عليها طبقاً لاتفاقية سايكس - بيكو، التي أعادت تقسيم دول المنطقة عقب الحرب الأولى، وقد استعادت الدول الجديدة سياسة الاضطهاد، التي كانت طبقتها الدولة العثمانية في مراحلها الأخيرة حيال المجموعات العرقية فيها من الكورد والعرب والأرمن والآشوريين والسريان، وكانت حصة الكورد من الاضطهاد كبيرة وفق ما حدث في إيران وتركيا والعراق وسوريا، وقد تناوبت أنظمتها على اضطهاد الكورد، ولاحقت تنظيماتهم ورموزهم السياسية، وحظرت أنماط حياتهم، وتدخلت في علاقاتهم الاجتماعية والثقافية.
وبطبيعة الحال، فإن ما أصاب الكورد في دول المنطقة، أصاب الكورد السوريين خاصة مع صعود الأنظمة الديكتاتورية العسكرية، التي وإن اضطهدت غالبية السوريين، فإنها أضافت سياسة تمييز متعددة الأوجه حيال الكورد وصولاً إلى المنع من الحقوق الثقافية بما فيها حق التعليم وحق استخدام اللغة الأم، وكلها توجت بمساعي الحصار الديموغرافي للكورد في شمال شرقي البلاد والمعروفة بسياسة الحزام العربي.
وكان الأثر المباشر لسياسة اضطهاد الكورد التي طبقتها السلطات السورية، أنها دقت أسافين في علاقات الكورد مع بقية مكونات الجماعة الوطنية في سوريا، فتوترت علاقاتهما وسط إحساس عالٍ بالمظلومية قبل أن يذهب الكرد إلى عزلة سياسية، استغلتها بعض القوى الكوردية لمزيد من التحشيد والسيطرة برفع وتائر تطرف وتشدد قومي، الأمر الذي نقل الإحساس الكوردي بالمظلومية والاضطهاد من النظام الحاكم إلى عموم السوريين، وخاصة العرب الذين وصفوا بـ«البعثيين»، فيما كانت القوى العربية غائبة ومعزولة عما يجري نتيجة سياسة الاستبداد والاضطهاد، أو بسبب تردي أوضاعها الفكرية والسياسية والتنظيمية.
وشهد العقدان الأخيران في سوريا محاولتين لإعادة تصويب العلاقات العربية - الكوردية؛ كانت أولاها في ربيع دمشق (2001 - 2005) والتي شهدت انفتاحاً بين القوى العربية والكوردية، خلق دوائر عمل وتفاعل مشتركة سياسية ومدنية بينها تجارب لجان إحياء المجتمع المدني وإعلان دمشق ومنظمات حقوق الإنسان، كما شهدت الانتفاضة الكردية في قامشلي 2004. والتي لاقت دعماً ومساندة من مكونات سورية مدنية وسياسية. ثم جاءت المحاولة الثانية مع انطلاق ثورة مارس (آذار) 2011. فتلاقى الكورد والعرب، وتناغموا في تفاعلاتها سواء مندمجين كما حدث في مناطق العيش المشترك، أو في الدعم المتبادل عبر نشاطات كل منهما على نحو ما كانت نداءات التضامن المتبادلة بين قامشلي ودرعا.
لقد قاومت جماعات كردية ولا سيما حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) نهوض الكورد وخاصة الشباب ومشاركتهم في الثورة، فتدخلت في بداية الثورة لمنع المظاهرات وتفريقها، فيما عملت قوى أخرى على عزل الشباب المؤيدين للثورة، ثم جاءت سلوكيات جماعات المعارضة السياسية والعسكرية في إشاعة أسلمة وتطييف الثورة وظهور «النصرة» و«داعش»، فدفعت غالبية الكورد إلى موقع مختلف من الثورة، وعززت في أوساطهم ميول التفاهم مع نظام الأسد، وكان التعبير الأبرز لهذا التوجه حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) والقوى السائرة في فلكه من «مسد» و«قسد»، والتي استطاعت بمختلف الأساليب إحكام قبضتها على الغالبية الكوردية، متجاوزة موقف غالبية الجماعات الكوردية وأغلبها في المجلس الوطني واعتراضات المثقفين والمستقلين الكورد، مستعينة بأربعة عوامل خدمتها؛ أولها تشكيل ميليشيات مسلحة وفرت حماية ما في مناطق سيطرتها، والثاني فتحها خطوطاً للتعامل مع نظام الأسد وحلفائه الروس، والثالث انخراطها في الحرب على «داعش»، والرابع نيلها دعم ومساندة سياسية وعسكرية من الولايات المتحدة.
وساهمت العوامل الأربعة بحصول تغييرات جوهرية في مكانة الكورد في خريطة الصراع السوري، فجعلت (PYD) وتحالفاته يتحولون إلى قوة سياسية وعسكرية مهمة من خلال علاقاتهم بالأميركيين ومسايرة الأوروبيين لهم، وسكوت الروس والإيرانيين وقسم رئيسي من العرب عنهم، وامتدت سيطرتهم على نحو ثلث مساحة سوريا وفيها منابع النفط وحقول الغاز وغالبية الموارد المائية الجارية والمناطق الرئيسية لزراعة القمح والقطن، وكلها عوامل عززت إصرارهم على طرح مشروعهم السياسي حول الإدارة الذاتية، ليكون أساس مستقبل سوريا تحت قيادتهم.
لقد أدى تغيير مكانة الكورد في خريطة الصراع إلى تنامي إحساس كورد (PYD) بالتفوق، وبإمكانية لعب دور رئيسي في سوريا وفي المنطقة بالاستناد إلى آيديولوجيا الحزب، وبدل أن يعززوا قوتهم وعلاقاتهم مع محيطهم، اتجهوا في الممارسة نحو إخضاع الآخرين في مناطق سيطرتهم شاملين إخوانهم في المجلس الوطني الكوردي وخارجه، وكل الجماعات السياسية العربية، ولم تسلم من اضطهادهم المنظمة الديمقراطية الآثورية، وطبقوا إزاء عرب المنطقة سياسة اتهام بالعلاقة مع «داعش» وطبقوا سياسات اضطهاد وعنصرية ضدهم، ومنعوهم من العودة إلى مدنهم وقراهم وبيوتهم بعد تحريرها من «داعش».
وإذ استنفرت ممارسات (PYD) وأجهزته السياسية والعسكرية والأمنية غالبية سكان الجزيرة، وأوساطاً في مناطق أخرى، فإنها عززت مخاوف الأتراك من التمدد الكوردي الذي تراه أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي تصفه بالإرهاب، ولها معه علاقات صراع مسلح منذ مطلع ثمانينات القرن العشرين، الأمر الذي صعد بالموضوع الكوردي في سوريا ليكون بين أولويات سياسة أنقرة، فشنت عمليتين واسعتين في الأراضي السورية؛ «درع الفرات» 2017. ثم «غصن الزيتون» 2018. قبل أن تدفع قواتها مؤخراً في عملية «نبع السلام» تحت هدف «المنطقة الآمنة»، بينما هي في الواقع مثل سابقاتها هدفها تحجيم الوجود والدور الكوردي في سوريا.
خديعة الكرد السوريين مستمرة منذ الوعود التي لم تنفذ لحل القضية الكوردية، وصولاً إلى سياسات الأنظمة المتعاقبة في سوريا، التي وعدت مرات بحلول لبعض جوانب القضية الكوردية، لا حلها كاملة، ثم خديعتهم بشعارات التطرف والتشدد القومي، وأوهام القوة التي جسدها (PYD) بقواته وتحالفاته وممارساته، وكلها لم تورث الكورد إلا العداء مع المكونات الأخرى ومع الجوار، بدل التعاون معهم للخلاص من نظام الاستبداد والديكتاتورية، مما يفتح الباب واسعاً لحل جوهري للقضية السورية كلها وللقضية الكوردية، التي لم تعد قضية الكورد وحدهم، بل قضية السوريين كلهم.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة