تركيا... «نبع السلام» أم عين الإرهاب؟

تركيا... «نبع السلام» أم عين الإرهاب؟

الجمعة - 12 صفر 1441 هـ - 11 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14927]
إميل أمين
- كاتب مصري
يضيق أي مسطح في اللحظات الملتهبة الحالية عن تقديم رؤية شافية وافية عما يجري من أحداث في شمال شرقي سوريا، وبخاصة العملية التي أطلق عليها الأتراك اسم «نبع السلام»، في تزييف للوعي، واعتداء على مفاهيم اللغة، فما أبعدها من طريق للسلام، وما أقربها من عيون تتفجر بالإرهاب والاعتداء الغاشم على دولة ويستفالية عضو في الأمم المتحدة.
في الساعات القليلة الماضية ذهب البعض إلى القول إن إردوغان، الأغا العثمانلي الموتور، قد وقع في فخ، وعما قريب سيجد نفسه بين المطرقة الأميركية والسندان الروسي.
أصحاب هذا الرأي يقطعون بأن الأميركيين قد ورطوا «رجل تركيا المريض» في مسار سيرغمه لاحقاً على التحول بسياساته، ليضحى طيعاً أكثر لشهوات قلب العم سام، وللابتعاد عن مدار نفوذ وقوة القيصر الروسي فلاديمير بوتين، ولإبطال مساقات الصفقات العسكرية الروسية لتركيا.
وعلى الجانب الآخر يجزمون بأن الروس حفروا لإردوغان حفرة عميقة للوصول إلى نفس النتيجة، من خلال استنزاف قواته في معارك جانبية.
ورغم وجاهة الرأيين، إلا أنه قد يضحى من التبسيط المخل القبول بالمشهد على هذا النحو، حتى وإن كانت البيانات والمعلومات غير كافية للعالم، فإردوغان رغم تهوره الاستراتيجي مرات عديدة، إلا أنه ليس من السذاجة أن يندفع هكذا، ما لم تكن هناك ترتيبات بينية واتفاقات ماورائية لسيناريوهات بعينها، حصلت من حولها مواءمات امتدت من أنقرة إلى موسكو وبكين، وفيها وعود متبادلة ومصالح لا توفر كذلك الجانب الإيراني، وما على السوريين سوى دفع فاتورة الحساب.
لا أخلاقيات في السياسة، ولا رحمة في الحرب، هذا ما خبر به «نيقولا ميكافيللي» أمير آل ميدتشي قبل بضعة قرون، وحتى ندرك ما يجري في العالم لا بد لنا من إعادة قراءة «الأمير» مرة بعد أخرى، وإن باتت تطبيقاته العملية على الأرض محفوظة للقاصي والداني.
شأن العرب لا يهم أحداً، والقوى الإقليمية المناوئة تاريخياً لهم لا تزال تحتفظ بمراكز متقدمة في خارطة الشطرنج الإدراكية، هم وحدهم خلوا من أي نظام يجمعهم أو اتفاقية دفاع مشترك توحدهم، فقد غربلتهم الاختلافات، وما أضحى بين أياديهم سوى أسلحة الشجب والتنديد.
إردوغان رتب غزوته جيداً، ودرس بعناية الفرص والاحتمالات، وما خطته إلا سعياً لا يهدأ لتغيير طبيعة الشريط الحدودي السوري الملاصق لبلاده تغييراً جغرافياً وديموغرافياً، الأمر الذي تسعى تركيا في طريقه منذ زمن بعيد.
في مواجهة إخفاقاته الداخلية وانتكاساته السياسية، يجد إردوغان أن أفضل الحلول لاكتساب شعبية قومية جديدة، إحياء النعرات الإمبراطورية القديمة، من خلال إحراز نصر عسكري سريع يعزز القوميين الأتراك في مواجهة الأحزاب التركية اليسارية.
ما يقوم به إردوغان هو مشروع توسع تركي حالم بالماضي، ولا دالة له على قراءة معطيات التاريخ وأحاجي الإنسان، سيما التي تخبرنا وعلى حد تعبير كارل ماركس بأن الماضي لا يكرر نفسه، وبالمقاربة مع المشروع الاستبدادي الإيراني الحالم بإحياء العظمة التليدة وإن بثوب ديني مذهبي، تضحى مهددات الحلم التركي هي الأخرى أسوأ بمراحل، ومرد ذلك أنها تتواصل مع نغمات سنية موازية لها في العديد من دول العالم العربي، بعكس المشروع الإيراني غير القادر على استقطاب الكثيرين من الشعوب العربية على أساس من الهوية المذهبية والتوجهات الطائفية.
في هذا الصدد يتفهم أي محلل محقق ومدقق الدعم والزخم القويين الساعات الماضية لغزو تركيا لسوريا، من قبل كافة جماعات الإخوان المسلمين تحديداً، في العديد من دول العالم، ولا يغيب عن ناظري أحد أن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين يسعى جاهداً لتقسيم الدولة السورية ووضع أجزاء منها تحت الوصاية التركية، ويتولى فصيل الجيش السوري الحر تنفيذ هذا المخطط مع النظام التركي.
ليس سراً القول إن الغزو التركي لشمال شرقي سوريا يحولها إلى ساحة حرب مفتوحة تساعد على تنامي وتفريخ الجماعات الإرهابية، وهروب عناصر تنظيم داعش من قبضة «قوات سوريا الديمقراطية»، التي اعتقلتهم بعد معركة الباغوز آخر معاقل تنظيم داعش.
الاعتداء التركي الذي هو «عين الإرهاب»، يساعد أيضاً على تنامي قوة تنظيم القاعدة المتمثل في تنظيم «حراس الدين»، المتورط في إراقة دماء المدنيين السوريين خلال العامين الماضيين.
«عين الإرهاب»، ستولد كارثة جديدة موصولة بالفارين من جبروت السلطان، إذ أنه في ساعاتها الأولى فقط تسببت في نزوح أكثر من مائة ألف شخص من شمال سوريا، عطفاً على قصف الطيران التركي لبعض من وحدات مكافحة الإرهاب التابعة لقسد.
ثم ماذا؟
لا أحد يعرف كيف سيتطور المشهد سيما في ظل الانقسام الأميركي الداخلي، غير أن المؤكد هو ما قاله قائد القيادة المركزية الأميركية الذي تقاعد أخيراً الجنرال جوزيف فوتيل من أن ما جرى «قرار خاطئ أخلاقياً واستراتيجياً»، سيما وأن قوات سوريا الديمقراطية كانت شريكاً استثنائياً، وقدرت خسائرها بـ11 ألف قتيل في المعارك ضد «داعش»، ما وفر على الولايات المتحدة نشر عشرات الآلاف من الجنود على الأرض.
الخلاصة واشنطن إزاء اختبار أخلاقي عميق تجاه سياساتها الخارجية وحلفائها حول العالم.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة