غضب في بلاد الرافدين

غضب في بلاد الرافدين

الخميس - 11 صفر 1441 هـ - 10 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [14926]
مها محمد الشريف
كاتبة سعودية مهتمة بالشأن السياسي
لقد عاشت الأمم العديد من الثورات، فمنها ما يكون بين تيارين متضادين، ومنها ما تكون مطالبات بالحقوق والواجبات من الشعوب تجاه حكوماتها، وتكون بداية الانفلات الأمني، والمحصلة لهذه المقدمة المختصرة تبين الأشياء بوضوح وجلاء لمزيد من كشف حالات المتظاهرين الغاضبين في العراق، واجتياح عدد من الشوارع، من ضمنها العاصمة بغداد، ما دفع قوات الأمن للتعامل معهم، وتطورت الأحداث بشكل مُتسارع كتهديد لأمن البلاد بعدما تم قطع خدمات الإنترنت عن أغلب المدن، بالإضافة إلى إعلان حظر التجول في مدن أخرى كمحاولة من السلطات للسيطرة على ما يحدث بالشارع.
من بين تلك الأحداث، نستطيع القول إن الواقع الذي يخضع للعنف والاضطهاد يكون بمعزل عن السيطرة وحقوق الإنسان بكل أهدافه الموضوعية، وقد اعترف بعض من المتظاهرين عبر وسائل الإعلام بسقوط قذائف مجهولة المصدر على جموع المتظاهرين في الشوارع، وما أثار حفيظة المتظاهرين أن مساعدين لقاسم سليماني هم قناصة يستهدفون المتظاهرين.
إذا كان الإقرار بذلك صحيحاً، فهو يعني أن نظام طهران ما زال يسيطر على مفاصل الدولة، وقد يسهل على الناس معرفة الدافع والمحرض على العنف ضد الشارع العراقي، ثم نستطيع أن نفهم ما الذي يحدث في العراق؟ هو قد يكون تحريك المتظاهرين من الخارج كجزء من مواجهة إيران، وتقليم أذرعها وتمددها؟
من هنا، يمكن أن نضع أمام كل سؤال مائة إجابة أو أكثر، لكن الذي يجب طرحه هو هل نستطيع أن نبتعد في تأكيدنا عن دور إيران في حالات القتل، وإطلاق النار على المتظاهرين؟ علينا إذن أن نعي هذا الترابط مع نتائجه، فكثير من الأحداث تقودنا إلى خطورة الموقف الذي رافق جميع المراحل في العراق، من تباين في الإصلاحات وتدهور البنية التحتية، وكذلك التطورات التقنية والاقتصادية، ورأي العامة المتشائم من الأوضاع، وتدهورها بعد الحرب على «داعش» وعصابات الإرهاب المدعومة من إيران.
وهو ما يعطي الانطباع بأنه منذ ذلك الحين والعراق يشهد بعض المظاهرات المتفرقة، لكنها لم تكن بحجم الأحداث التي وقعت هذا الأسبوع، فمنها مظاهرات مناهضة للحكومة، وأخرى الاندفاع نحو البحث عن الأمن والسلام والتعايش والتصالح والتشارك، لتعود العراق للعراقيين بسلام كلي وشامل، ويتوجب علينا أن نحجم عن اقتطاف إيضاحات أخرى مهمة عن التاريخ العراقي المعاصر، لأن إيران تبرهن كل يوم أن سبب التدهور هو تغلغلها في الشأن الداخلي العراقي.
وهو ما ينطوي على إيجاد حلول لمشكلات لا تعني مجرد التعايش باختلاف الهويات والعقائد والثقافات. بل المعضلة في ركام الماضي وحطام الحاضر الذي تعيشه البلاد، فلا شك أن صورة التاريخ موحشة، وأصبحت الأمة تستدل على مراحله الكبرى بالكوارث التي تتوالى، وسببها الأول احتلال منظم انتقامي سلب العراق ثرواته ونهب موارده.
في الوقت ذاته، أعربت وزارة الداخلية العراقية، في بيان لها، عن أسفها لأعمال العنف التي شهدتها البلاد خلال ما وصفته بـ«المظاهرات الغاضبة»، التي تهدف «لإسقاط المحتوى الحقيقي لمطالب الشعب العراقي ونزع السلمية عنها»، كما كتب الرئيس العراقي برهم صالح، على حسابه بموقع «تويتر»: «التظاهر السلمي حق دستوري... أبناؤنا في القوات الأمنية مكلفون حماية حقوق المواطنين، أبناؤنا شباب العراق يتطلعون إلى الإصلاح وفرص العمل، واجبنا تلبية هذه الاستحقاقات المشروعة». أعقب ذلك بيان أصدرته الخارجية الأميركية تعليقاً على المظاهرات، قائلة، إنها تراقب المظاهرات عن كثب، مُبدية قلقها من التقارير التي تتحدث عن وقوع خسائر في الأرواح.
يتمثل التحول الرئيسي للأحداث، بأشكاله المختلفة هنا، في طرح بعض من التساؤلات، فهل هي مواجهة مباشرة لضرب إيران في مقتل بإخراجها من العراق، بعد المطالبات بخروجها من أرض العراق في مسيرات المتظاهرين، أو كما أكد النائب في البرلمان العراقي، أحمد الجبوري، أن هناك غرفة عمليات يقودها مساعد قاسم سليماني، ويدعى «حاج حامد»، ويتبعه القناصون الذين يستهدفون المتظاهرين، ويأتمرون بأمره بهدف قتل المحتجين السلميين.
وأضاف الجبوري لـ«العربية.نت»، «أن جموع المتظاهرين بدأت تتحرك باتجاه ساحات التحرير والأندلس والطيران، وستكون المظاهرات أكبر وأقوى من ذي قبل، بسبب ما قامت به الحكومة من قمع وقتل للمتظاهرين عن طريق القناصة، الذين كانوا في أعلى البنايات قرب أماكن المظاهرات».
لا شك أن الأعداء يكررون أنفسهم في العواصم العربية المهيمن عليها، ويسيرون بخطى ثابتة نحو الاضطراب، وعلى الشعب العراقي أن يعيد بلده إليه، وطرد الأغراب منه.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة