ليونيل لورانت
كاتب من خدمة «بلومبيرغ»
TT

الأوروبيون والأزمة السياسية في بريطانيا

يبدو رئيس وزراء المملكة المتحدة بوريس جونسون، في مأزق، مع تداعي سلطته السياسية بعد قرار المحكمة العليا في البلاد بعدم قانونية قراره بتجميد البرلمان، قبيل أسابيع، من الموعد الزمني النهائي لبدء سريان «بريكست»، المقرر في 31 أكتوبر (تشرين الأول).
ويبدو ذلك الحلقة الأحدث في سلسلة من الهزائم التي مني بها جونسون، والتي تبدو الصورة التي رسمها لنفسه باعتباره بطل «بريكست» منفصلة عن الواقع القائم داخل ويستمنستر؛ حيث لا يحظى بأغلبية، وكذلك داخل بروكسل حيث لا يدعمه أي حلفاء.
وبينما تبدو هذه فرصة ذهبية أمام الاتحاد الأوروبي لدفع المملكة المتحدة نحو اتباع توجه أكثر ليناً إزاء «بريكست»، فإن احتمالات الوصول لحل وسط تبدو بعيدة للغاية.
وإذا أحدث قرار المحكمة العليا تغييراً في الأزمة الراهنة، فهو أنه سيزيد احتمالات احترام جونسون لإرادة البرلمان وسعيه لطلب تمديد أجل موعد انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي المقرر الشهر المقبل، رغم أنه سبق أن صرح بأنه يفضل «الموت في مصرف صحي» على فعل مثل هذا الأمر. أما ما يبدو أنه مذلة تعرض لها جونسون أمام محاكم بلاده فهي مجرد عينة مما ينتظره في بروكسل إذا حاول التنصل من التزاماته لطلب تمديد أجل «بريكست». وسيثير هذا شعوراً كبيراً بالارتياح في نفوس المسؤولين الأوروبيين الذين يشير الاحتمال الأكبر إلى أنهم سيوافقون على هذا الوضع، خصوصاً أن استغراق مزيد من الوقت لإيجاد حل يقلل خطر إنجاز «بريكست» دونما اتفاق، من شأنه الإضرار بكلا الجانبين.
ومع هذا، قد يرى دبلوماسيون أوروبيون أن الأزمة السياسية في المملكة المتحدة من المحتمل أن ترجئ الأمور من دون اتخاذ قرارات. ومن جانبهم، تمكن
المشرعون داخل البرلمان من تنحية خلافاتهم جانباً من أجل تقييد يد جونسون، والسعي لتمديد أجل «بريكست»، لكن هذا كل ما أمكنهم الاتفاق عليه. وجدير بالذكر أن هذا هو البرلمان ذاته الذي رفض الاتفاق الذي ناضلت رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي، بضراوة للتوصل إليه مع الاتحاد الأوروبي ثلاث مرات. ومن دون عقد انتخابات - قرار آخر لأعضاء البرلمان القولُ الفصل بشأنه - لن يتبدل هذا الوضع.
ومع هذا، فإنه حتى الانتخابات تحمل احتمالات مظلمة أمام العواصم الأوروبية التي تأمل في تسوية ودية لفوضى «بريكست».
يذكر أن سياسة «بريكست» التي يطرحها حزب العمال المعارض تبدو أقرب إلى عمل التواء قاسٍ يكاد يكون من المستحيل استيعابه، بينما تبدو رؤية «الديمقراطيين الأحرار» المنتمين لتيار الوسط لإلغاء «بريكست» تماماً، متطرفة. وكلما طال أمد هذا الوضع، أضر بأسلوب العمل السلس للاتحاد الأوروبي.
وربما كانت بروكسل لتشعر بقدر أكبر من التفاؤل لو كان هناك اتفاق إطاري متفق عليه بالفعل لدى المفوضية الأوروبية، لكن هذا ليس الواقع. والملاحظ أن انتقادات جونسون لمقترح ماي لما عرف باسم «المسند الآيرلندي» لتجنب العودة لحدود صارمة في آيرلندا وحماية السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، لم تثمر أي بدائل. وذكر مسؤولون أوروبيون أن البدائل التي بعث بها مسؤولون من المملكة المتحدة ليست واضحة المعالم بما يكفي لأن تصبح سارية على نحو مناسب بحلول 31 أكتوبر. كما أن ضعف جونسون سيقلص الحافز في نفوس القادة الـ27 الذين يواجهونه لتجاوز خطوط حمراء حيوية، رغم ادعاء مايكل غوف، الوزير البريطاني المسؤول عن «بريكست دونما اتفاق»، بأنهم «بدلوا رأيهم» بخصوص اتفاق المسند. في ظل الظروف المثالية، من المفترض أن تؤدي سلسلة من اللطمات التي يتعرض لها جونسون إلى التعجيل بنهاية الأزمة. ومن جانبه، سيسعى الاتحاد الأوروبي للحصول على الحد الأقصى من التنازلات من المملكة المتحدة، بالنظر إلى أن الأخيرة ليس أمامها خيار سوى التفاوض من خلال الحكومة الموجودة حالياً في ويستمنستر مع العمل في الوقت ذاته على الحفاظ على وحدة الصف بين باقي الدول الأعضاء في الاتحاد، الأمر الذي سيزداد صعوبة كلما طال أمد الأزمة الراهنة. وإذا كانت هناك فرصة لمحاولة طرح اتفاق أمام برلمان المملكة المتحدة من جديد، يتعين على الاتحاد الأوروبي اقتناصها.
إلا أن الوضع أشبه بمباراة كرة قدم بها 27 لاعباً من جهة محتشدون للدفاع، بينما يحاول اللاعب الوحيد في الفريق المقابل التقاط الكرة والرحيل عن أرض الملعب. بوجه عام، من المعروف أن الاتحاد الأوروبي بارع في إقرار القواعد والخطوط الحمراء والتمسك بها، لكنه أقل براعة في فرض إرادته من طرف واحد.
حالياً، تبدو المملكة المتحدة محاصرة من جانب تناقضاتها، على الأقل حتى عقد انتخابات أو استفتاء ثانٍ يكسر حالة التأزم الراهنة. ومن هنا، يمكن لـ«بريكست» أن يصبح أسوأ بكثير.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»