عمر المختار بعيون أعدائه

عمر المختار بعيون أعدائه

السبت - 15 محرم 1441 هـ - 14 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [14900]
د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث ليبي
في صباح الأربعاء، 16 سبتمبر (أيلول) 1931، تم تنفيذ حكم الإعدام في الشيخ المجاهد عمر المختار؛ الحكم الصادر عن المحكمة الصورية التي أمر بها غراتسياني، الذي قال في المختار: «يُخيل لي أنَّ الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال؛ له منظره وهيبته رغم أنه يشعر بمرارة الأَسْر. ها هو واقفٌ أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوتٍ هادئ وواضح»، كلمات ردَّدها وكتبها الجنرال الإيطالي ردولفو غراتسياني في كتابه «برقة الهادئة» (Cirenaica pacificata)، واصفاً لقاءه الأول بعمر المختار، فقال: «لماذا حاربتَ بشدَّة متواصلة الحكومة الفاشية؟ فأجاب المختار: من أجل ديني ووطني».
هذا الحوار كان في اللقاء الذي جمع بين الرجلين بعد أَسْر أسد الصحراء الشيخ عمر المختار، حيث وصف غراتسياني نهاية اللقاء بالقول: «عندما وقف ليتهيأ للانصراف، كان جبينه وضاءً كأنَّ هالة من نور تُحيط به، فارتعش قلبي من جلالة الموقف، أنا الذي خاض المعارك والحروب العالمية، والصحراوية، ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان، ولم أستطع أن أنبس بحرفٍ واحد». وقال فيه أيضاً إن «ذنبه الوحيد أنه كان يكرهنا كثيراً».
وكان قد سبق لردولفو غراتسياني أن أعلن عن جائزة قدرها 200 ألف فرنك لقاء جلب المختار حيّاً أو ميتاً؛ المختار الذي حارب الاستعمار الإيطالي حتى قبل ظهور الفاشية في إيطاليا، بعد أن تخلَّت الدولة العثمانية عن ليبيا وتركتها للمستعمر الإيطالي، فكان قدره قيادة رفاقه لتحرير بلاده وصد العدوان.
لعلَّ ما كتبه السفاح الإيطالي ردولوفو غراتسياني عن شيخ الشهداء عمر المختار، في كتابه «برقة الهادئة»، يؤكد حقيقة جهاد البطل الشيخ، وحجم التأثير الذي ألحقه بالمستعمر الإيطالي الاستيطاني، الذي حاول نزع شعب من أرضه، واستبدال به آخر جلبه من وراء البحر، لتحقيق أكذوبة أن ليبيا هي الشاطئ الرابع لروما (La Quarta Sponda) المصطلح الذي أطلقه الزعيم الفاشي موسوليني، رغم أن احتلال ليبيا كان قبل وصول الحزب الفاشي للحكم.
عُمر المختار بن عُمر الهلالي، ابن الجبل الأخضر، الذي أجبر الإيطاليين على التفاوض معه، في مفاوضات سيدي رحومة، وصفه الكاتب الإيطالي كانيفار قائلاً «وصل عمر المختار إلى مكان الاجتماع محاطاً بفرسانه، كما يصل المنتصر الذي جاء ليملي شروطه على المغلوب».
في لقاء سيدي رحومة الذي حضره كل من عمر المختار، وبيترو بادوليو، حاكم طرابلس الغرب وبرقة، وسيشلياني نائب حاكم برقة، قدم المختار شروطاً لوقف إطلاق النار، منها إعادة فتح المدارس العربية، وإطلاق سراح الأسرى، والتوقف عن اقتحام القرى والنجوع، بينما قدَّم الإيطاليون عرضاً كان بمثابة رشوة تقضي بتقديم راتب تقاعدي مغرٍ للمختار، بينما يسلّم باقي رجاله أنفسهم وسلاحهم لضابط إيطالي تسميه روما، وكان العرض قُدّم بوساطة الحسن بن الرضا السنوسي، الأمر الذي رفضه المختار وزجر الحسن الرضا قائلاً: «لقد غرّوك يا بني بمتاع الدنيا الفاني»، واستمرَّت المفاوضات العسيرة أكثر من مرة، وانتهت كما بدأت، ولكن بيترو بادوليو، حاكم طرابلس الغرب وبرقة عند رجوعه كذب أهله، وقال في مؤتمر صحافي إن المختار ورجاله استسلموا، الأمر الذي لم يحدث وكذَّبَته الوقائع بعدها.
وعندما فشل غراتسياني في استمالة المختار بالتفاوض، لجأ إلى معسكرات الاعتقال الجماعية في الصحراء، وأحاطها بالأسلاك الشائكة، وزجّ فيها بأغلب القبائل الليبية في برقة، في محاولة للضغط على المختار للاستسلام، ولكن المختار كان شعاره: «نحن لا نستسلم... ننتصر أو نموت».
المختار كان على خلاف دائم مع صديق طفولته وزميل دراسته في الجغبوب الليبية الشارف الغرياني، الذي يُتهم بعلاقاته مع المستعمر الإيطالي، والذي كان آخر ليبي يزور المختار في محبسه، قبل تنفيذ حكم الإعدام بيوم. سُئل الشارف الغرياني عن رؤيته للمختار فقال:
«عليه ثيابٌ لو تُقاس جميعها
بفلسٍ لكان الفلسُ منهن أكثرا
وفيهنّ نفسٌ لو تُقاس ببعضها
نفوس الورى كانت أجلَّ وأكبرا».
هذا هو عمر المختار بعيون أعدائه، الذي نفتقده اليوم في ليبيا بعد أن تشتت شمل أبنائها بين الأمم، في صراعات بالوكالة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة