السيدة العدالة في محنة

السيدة العدالة في محنة

الجمعة - 14 محرم 1441 هـ - 13 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [14899]
السيدة العدالة، معصوبة العينين، بميزان مائل في يد، وبسيف في اليد الأخرى، تعاني هذه الأيام من محنة مشوبة بحيرة وتوتر، بسبب توريطها في حل مأزق تزايد شدة الخصومة بين أطراف النزاع في بريطانيا في الموقف من الخروج من الاتحاد الأوروبي. تتجمع الحكومة ومناصروها في كفة من ميزانها، وتتكدس المعارضة في الكفة الأخرى.

مشكلة السيدة العدالة، أن النزاع سياسي، بالدرجة الأولى، والدوافع والأدلة ليست بوضوح مثيلتها في القضايا الأخرى. وهذا سبّب ارتباكاً في الموقف القانوني منهما، قاد إلى إصدار أحكام قضائية متباينة، زادت في ضبابية الرؤية، وبالتالي تزايد عدم الشعور بالرضا، وتعميق الانقسام.

الذين يتابعون مشهد النزاع في ليبيا، ولو من بعيد، يتذكرون بلا شك تلك الأيام القاتمة التي أعقبت الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2014، والتي سبّبت الأزمة الحالية، وما نجم عنها من تدمير وقتل. في تلك الفترة، التجأ فريق «الجماعة الإسلامية»، عقب استيلائهم على العاصمة طرابلس، إلى المحكمة العليا، مطالباً بالنظر في عدم قانونية عملية التسليم والتسلم بين المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب الجديد.

الالتجاء إلى حكم القانون، في بلد لا وجود فيه لدولة، ولا لحكم القانون، ولا مكان فيه لسلطة تنفيذ أحكامه ومعاقبة مخالفيه، أمر يدعو إلى الحزن. كانت المحكمة العليا منعقدة، في طرابلس، للنظر في القضية. وفي الخارج، كان الإسلاميون وأنصارهم يحوطون المبنى، مسلحين. وكانت الحكومة والبرلمان المنتخب لاجئين في مدينة طبرق. بشرق ليبيا!

الموقف في بريطانيا مختلف. في الجزر البريطانية، سواء أكان ذلك في العاصمة لندن، أم في أي مدينة أخرى، أينما تحل السيدة العدالة توجد الدولة، ويتوطد تنفيذ أحكام القانون، ولا مكان لمحاصرة محكمة، أو تهديد قضاة، ومحامين. المشكلة أن النزاع في طبيعته سياسي. وفي السياسة تتحول الساحة إلى موقع لتنافس الآراء والدوافع المختلفة، والمواقف المتباينة، ويلتقي الفرقاء ويتفرقون، وفقاً للمصالح التي يمثلونها، والسياسات التي يتبعونها، والمبادئ التي يحرصون على الالتصاق بها والانتماء إليها. فكيف يتأتى لأهل القانون النظر والحسم في قضية سياسية معقدة مثل مأزق الخروج من الاتحاد الأوروبي، وليس لدى المتخاصمين من أدلة سوى آراء، ومواقف، وتخمينات، وظنون، وتفسيرات!

قضاة المحكمة العليا الليبية، حين بدأت ملفات القضايا السياسية تتهاطل عليهم كأمطار، اجتمعوا وقرروا عدم النظر في أي قضايا ذات طابع سياسي، وأغلقوا الأبواب. وبدلاً من الالتجاء إلى التفاوض والتباحث بغرض البحث عن حلول للمشكلات العالقة، التجأ الفرقاء الليبيون إلى السلاح لحسم خلافاتهم، فتمددت عوامل الخلاف، واتسعت رقعة الحرب، وما زالت.

القضاء البريطاني، رغم تاريخه المديد، وعراقته، انقسم، هذه المرّة، في موقفه من النظر في القضية السياسية المعروضة. المحاكم في إنجلترا جنحت لاتخاذ موقف مماثل للموقف الذي لجأت إليه المحكمة العليا في ليبيا، برمي الدعوى المرفوعة خارجها، معلنة عدم رغبتها النظر في قضية خلاف سياسي. لكن المحاكم في اسكوتلندا، اختارت الخوض فيما وصلها من دعاوى، وأصدرت حكماً يقضي بعدم قانونية قرار الحكومة بتعليق مجلس النواب، واعتبرت القرار إخلالاً بالعملية الديمقراطية التي تشترط خضوع السلطة التنفيذية لمحاسبة البرلمان، وكذلك محاولة من الحكومة للانفراد بقرار الخروج من الاتحاد الأوروبي.

الحكومة، من جانبها، عبّرت عن خيبتها من الحكم، وأصدرت تعليماتها إلى محاميها للطعن فيه أمام المحكمة العليا، باعتبارها أعلى سلطة قضائية. من جانب آخر، قابلت المعارضة الحكم بالترحيب والتهليل وبدعوة الحكومة للامتثال لحكم القانون، وإلغاء تعليق البرلمان. ورئيس البرلمان أصدر بياناً أكد فيه أن فتح البرلمان، بعد تعليقه، يتطلب قراراً من الحكومة.

صدور الحكم من محكمة اسكوتلندية، كان محل غمز ولمز، من بعض المسؤولين الحكوميين، والإعلاميين، معتبرين أن اختيار محكمة في إدنبرة، باسكوتلندا، لا يخلو من نية مبيّتة، مشككين في نزاهة القضاة الاسكوتلنديين وحياديتهم، الأمر الذي اضطر وزير العدل في الحكومة إلى نشر تغريدة على حسابه في موقع «تويتر» يدافع فيها عن القضاة والمحاكم البريطانية في كل مدينة، ومؤكداً مهنية وقدرات ونزاهة وحياد القضاة الاسكوتلنديين، والمحاكم الاسكوتلندية.

الكرة، الآن، في ملعب الحكومة. والحكومة، رغم ما يحيط بها من حصار متواصل من جانب المعارضة، تحرص على عدم الإفصاح عن خططها، لكنها حريصة، أيضاً، على مواصلة السير في الطريق التي اختارتها، بغرض قطع الخيوط التي تربط بريطانيا بالاتحاد الأوروبي، من دون الحرص كثيراً على تقييم المخاطر، أو حساب التكاليف. إلا أن صدور الحكم القضائي يعد بمثابة نصب حاجز آخر، مؤقت حالياً، لكنه سيضاف إلى ما وضعه البرلمان من حواجز، وما رماه من شباك صعب تفاديها، على أي حكومة، وإن كانت بتصميم وعزم، ومكر، وعناد الحكومة الحالية.

يبدو أن مسلسل فكّ الارتباط بين لندن وبروكسل سيبقى فترة زمنية أطول مما كنا نتوقع، وأن نهايته، حين يحين أجلها، ستكون مفاجأة للجميع، وليس بالضرورة مدعاة لإعادة السيوف في أغمادها، أو رجوع النفوس المهتاجة هانئة راضية إلى سيرتها الأولى.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة