إنهم يضيّقون الخناق على لاري!

إنهم يضيّقون الخناق على لاري!

الأربعاء - 5 محرم 1441 هـ - 04 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [14890]
هذا الأسبوع، لن يكون سهلاً على رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون فقط، بل حتى على رئيس الفئران، في 10 داوننغ ستريت، القط لاري. كلاهما سيكون متخندقاً في وضع دفاع مستميت. السيد جونسون لرد هجمات أحزاب المعارضة، التي تتهيأ لتقييد يديه، ومنعه من الخروج من الاتحاد الأوروبي بلا اتفاق. والقط لاري للدفاع عن مملكته ضد متساكن جديد، من ذوات الأربع، ممن تتصف العلاقة، تاريخياً، بفصيلتهم بالعداء: جرو من فصيلة كلاب، تسمى جاك رسل.
يبدو أنه، حقاً، لا راحة في الدنيا لساكني 10 داوننغ ستريت، ولا نجاة لهم من المشاكل. صحيح أن الإقامة بالمبنى مجانية، والفواتير مدفوعة، لكن لا بد لهم من دفع الأثمان قلقاً، وتوتراً، وخشية، وانزعاجاً. لا خصوصية في ذلك المكان، ولا حرية شخصية. كل شيء مسجل، وكل حركة موثقة. المحزن، هو أن القط لاري سيجد نفسه في وضعية لم يعرفها، ولم يجربها من قبل، وذلك بمشاركة جرو العيش، في مكان واحد، كان طوال سنين، يصول ويجول، في أرجائه، وحده. وها هو، منذ هذا الأسبوع، سيفقد تلك الحرية، والمكانة الفريدة، وليجد نفسه، وجهاً لوجه، مع حقيقة مؤلمة، لا تختلف عن أن يُؤتى بزعيم المعارضة العمالية جيرمي كوربين ليشارك السيد بوريس جونسون الإقامة في ذلك الحيز، وعليهما أن يتدبرا التفاصيل.
لاري، هو الساكن الثابت في ذلك المبنى، إلى أن يحين دوره في الإحالة على التقاعد، مثل من سبقوه من رؤساء فئران. لكن رؤساء الوزراء وعائلاتهم متغيرون، وإقاماتهم المجانية مؤقتة. وكلهم عليهم القبول بوجود القط لاري، حتى وإن كانوا من غير محبي القطط. والقط لاري غير ملزم بتقديم فروض الولاء والطاعة لأحد منهم. وهو يعرف ذلك. طالما أنه يقوم بواجباته الوظيفية كاملة من دون نقصان، والمتمثلة في القضاء على من يتجرأ من الفئران والجرذان بمغادرة جحورهم.
لكن كيف لرئيس الفئران، القط لاري، التعايش في المبنى، مع كائن آخر من ذوات الأربع: أبوه كلب، وأمه كلبة، وينبح؟
ولماذا يصرّ السيد جونسون على إحضار جرو، لينكد عليه عيشه، ويضيّق عليه بيته، وينغّص عليه في حياته، أو ما بقي منها؟
يقال إن رئيس الوزراء الأسبق، ونستون تشرشل، كان الوحيد الذي أحضر معه كلبه لمشاركته الإقامة في ذلك المبنى. وتشرشل، كما تبيّن، هو القدوة، والمثل الأعلى للسيد جونسون، الذي يتوق لأن يكون مثله، في الشهرة، والقوة، والخطابة، والوطنية، وأن يحظى بالمنزلة نفسها، التي حظي بها تشرشل في كتب التاريخ، وفي الذاكرة والوجدان البريطانيين.
لذلك؛ ولكي تكتمل القصة، اختار كلباً، ليشاركه الإقامة في ذلك المبنى التاريخي، اقتداءً بمثله الأعلى. ولأنه؛ على عكس الزعيم تشرشل، لم يكن له كلب، فقد قام الموظفون بالاتصال بإحدى الجمعيات المهتمة برعاية الجراء والكلاب، في مقاطعة ويلز، وجاءوا له بجرو ما زال، حتى هذه اللحظة، بلا اسم، وهوية. ولم يقدم بعد، رسمياً، للمصورين والصحافيين.
هذه أمور مهمة، ومهام جديدة، غير معروفة من قبل، في وجود القط لاري، رئيس الفئران، لأنه مختلف. فهو، مثلاً، لا ينبح، وقادر على الاهتمام بنفسه، ولا يحتاج إلى مساعدة أحد. ولولا خدماته المهمة في القضاء على الفئران، لما قبلت امرأة واحدة العمل في المبنى العتيق، مهما كانت الإغراءات، وهذه حقيقة.
الغريب أن لا أحد فكر في القط لاري. ولم يشاوره أحد في الأمر، وكأن عليه الرضوخ لمشيئة الساكن الجديد، السيد جونسون، والقبول بما أراد. المشكلة هي كيف يمكن لقط، موظف في الحكومة البريطانية، برتبة رسمية، التعايش مع جرو قادم من أرياف مقاطعة ويلز، ولن يكون مثله، موظفاً رسمياً في الدولة، بل ملكية خاصة برئيس الوزراء، من حقه الإقامة في المبنى طالما ظل السيد جونسون، مالكه، مقيماً. وحين ينتهي أجله، سياسياً، يغادران، معاً، المكان. وهذه المغادرة الأخيرة، لعلها العزاء الوحيد للقط لاري. لعلمه، من خلال فترة معيشته، الطويلة نسبياً، في 10 داوننغ ستريت، أن إقامات رؤساء الوزراء، في ذلك المبنى، مهما تطول، قصيرة، ومؤقتة.
العيون، والآذان، ستكون بالمرصاد، خلال الأيام المقبلة، لمراقبة وتوثيق، ما يستجد من تطورات وأحداث في معركة رئيس الوزراء مع النواب في مجلس البرلمان حول «بريكست»، وهي معركة كسر عظم، ويتوقف على نتائجها مستقبل بلاد وشعب. وما يستجد، أيضاً، من تطورات وأحداث في معركة قبول رئيس الفئران، القط لاري، للجرو الذي سينغص عليه عيشه، بمشاركته الإقامة في 10 داوننغ ستريت.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة