«أنا أعرف عنك الكثير»! عبارة استخدمها كل من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وخصمه السياسي الحالي رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، مخاطباً كل منهما الآخر عبر الإعلام. هي الجملة ذاتها من حيث المعنى وإن اختلفت الكلمات والصياغة التي استخدمها كل منهما. علماً بأن مثل هذه الجملة تحمل معنى التهديد عندما يقولها إردوغان، وتأتي في إطار الدفاع عن النفس عندما يقولها أحمد داود أوغلو، بالنظر إلى ميزان القوة الحالي بينهما.
هبَّت المعارضة التركية بكل أطيافها تسأل داود أوغلو أن يفصح عما لديه من معلومات يقول إنها إن نشرت «فإن أصحاب تلك الأخبار والمعلومات لن يستطيعوا الخروج بين الناس»، خصوصاً أن داود أوغلو أشار في حديثه عن «تلك المعلومات» إلى أنها مرتبطة بحقبة يلفها الغموض من تاريخ تركيا الحديث، رُسمت أحداثها بالدم والإرهاب، هي الفترة بين جولتين انتخابيتين للبرلمان، الأولى جرت في يونيو (حزيران) 2015، والثانية هي انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) من نفس العام التي جرى الاحتكام إليها بعد فشل البرلمان الذي نتج عن انتخابات يونيو في تشكيل حكومة.
إردوغان وداود أوغلو كانا شريكين في عدة مشاريع سياسية داخلية وإقليمية، وكشف أي منهما أسرار الآخر سيساعد الشعب التركي بل وشعوب المنطقة على فهم الكثير من الحقائق التي ما زالت غائبة أو مغيبة. ولإدراك أهمية وخطورة هذه الأسرار، يكفي أن نحاول سرد أو الخوض في أحداث الأشهر الخمسة التي أشار إليها داود أوغلو من عام 2015.
كانت الحملات الانتخابية على أشدها، أحمد داود أوغلو يخوض الانتخابات للمرة الأولى كزعيم لحزب العدالة والتنمية، بعد صعود إردوغان إلى سدة الرئاسة قبل عام، واضطراره لمغادرة الحزب كما ينص الدستور. داود أوغلو يريد أن يثبت رشده كسياسي هذه المرة وليس كأستاذ جامعة أو دبلوماسي، والرئيس إردوغان يريد الحصول على أغلبية مطلقة لحزب العدالة والتنمية تمكنه من تغيير الدستور والانتقال بتركيا إلى نظام رئاسي واسع الصلاحيات. كانت انتخابات مصيرية بكل ما في الكلمة من معنى لكلا الرجلين، بينما شعبية الحزب كانت في تراجع بعد فضائح الفساد التي عصفت به.
اعتمد الرئيس إردوغان على «مسيرة الحل السلمي» للملف الكردي التي كان قد بدأها عام 2013. من خلال التفاوض مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من سجنه، وطالب خلال الحملات الانتخابية الناخبين بالتصويت بكثافة لحزب العدالة والتنمية كي يحصل الحزب على 400 نائب برلماني (من أصل 550) ويتمكن بفضل هذه الأغلبية المطلقة من تغيير الدستور مباشرة، للتحول إلى نظام رئاسي واسع الصلاحيات يمكنه حينها من حل القضية الكردية متجاوزاً مناكفات المعارضة وعراقيلها. وبذلك ربط إردوغان حل القضية الكردية بحصوله على نظامه الرئاسي المأمول، وأرسل عدة رسائل سياسية لحزب الشعوب الديمقراطية الموالي للأكراد والمعني الأول بحل القضية، بأن على الحزب ألا يشارك في هذه الانتخابات - إن هو أراد حلاً لقضيته الأساسية - وأن يدعو ناخبيه للتصويت لصالح حزب العدالة والتنمية من أجل الوصول إلى 400 نائب برلماني. لكن زعيم حزب الشعوب الديمقراطية الشاب والطموح صلاح الدين دميرطاش رفض التعاون مع إردوغان وشكك في صدقه، واعتبر أن إردوغان الذي بدأ يخرج عن المسار الديمقراطي في تركيا ويضيق على الحريات العامة، لا يمكن أن يكون في نيته حل القضية الكردية وما يتطلبه ذلك من توسيع للحريات والديمقراطية، وأن كل هم إردوغان هو الحصول على النظام الرئاسي، عن طريق أصوات الناخبين الأكراد. وعليه خرج صلاح الدين دميرطاش بجملته المشهورة حينها «لن نجعل منك رئيساً كما تحلم يا إردوغان» وأصرَّ على المشاركة في الانتخابات وحصد حزبه في انتخابات يونيو 2015 أعلى نسبة يحققها في تاريخه وهي 13 في المائة ليدفع بأكثر من 80 نائباً من حزبه إلى البرلمان، على حساب حصة حزب العدالة والتنمية الذي حقق أسوأ نتيجة منذ وصوله إلى السلطة وهي 39 في المائة وليخسر بذلك أغلبيته البرلمانية التي تؤهله لتشكيل الحكومة، رغم تقدمه على بقية الأحزاب.
هنا بدأ التمايز والاختلاف بين إردوغان وداود أوغلو، إذ رأى داود أوغلو فيما حدث فرصة لتشكيل حكومة ائتلافية مع المعارضة، والعودة إلى توسيع الحريات والديمقراطية بالتعاون مع المعارضة، وغلق ملف النظام الرئاسي الذي لم يكن داود أوغلو مقتنعاً به خصوصاً أن النظام الرئاسي كان سيلغي دوره كرئيس للوزراء. في المقابل اعتبر إردوغان ما حدث إهانة لتاريخه السياسي، وبداية لتهميش دوره السياسي على الساحة، فانتقم من الشارع الكردي بأن أعلن رفضه لكل ما تم الاتفاق عليه في مسار الحل السياسي للملف الكردي، وبدأ يضع العصي في دواليب محاولات داود أوغلو تشكيل حكومة ائتلافية، حتى قرر وقبل انقضاء المدة الدستورية لتشكيل الحكومة، حلَّ البرلمان والاحتكام لانتخابات مبكرة في نوفمبر من نفس العام.
وخلال هذه الفترة، اندلعت في تركيا أحداث عنفٍ وإرهاب غير مسبوقة، نُسبت إلى «داعش»، وحزب العمال الكردستاني، والجبهة الثورية لليسار، أحداث ذهب ضحيتها نحو 400 قتيل بين مدنيين وشرطة وجنود، وخرج حينها داود أوغلو ليقول في البرلمان «إن هناك يداً خفية تحركت لدفع ثلاثة تنظيمات إرهابية، تعادي بعضها البعض، لكي تتحد هذه المرة وتضرب تركيا بشكل وحشي» وأعلن بعدها حرباً ضروساً على الإرهاب، وتدابير أمنية، لتخفيف أجواء الرعب التي طغت على تركيا، وهي أجواء دفعت الناخبين للتصويت في الانتخابات المبكرة في نوفمبر وبكثافة لحزب العدالة والتنمية الذي حصد هذه المرة 49 في المائة واستعاد الغالبية النسبية التي مكنته من احتكار تشكيل الحكومة مجدداً. وإن لم يكشف داود أوغلو من يقصد بتلك اليد الخفية التي حركت التنظيمات الإرهابية ضد تركيا، إلا أن صحف المعارضة كان لها تخمينها، إذ عنونت صحيفة سوجو قبل الانتخابات المبكرة بأسابيع قليلة «يكفي قتلاً، يكفي عنفاً، يكفي إرهاباً، امنحوه الـ400 نائب التي يريدها وليعدل الدستور كما يريد، لكن ليقف نزف الدم هذا». والإشارة واضحة هنا لا تحتاج أي تأويل. اتهام عززه ما تم الكشف عنه لاحقاً بعد انتهاء حقبة الانتخابات، حيث كشفت محاضر محاكمة بعض الإرهابيين الذين ألقي القبض عليهم في تلك الأحداث، أن المخابرات والأمن التركيين كانا على علم مسبق ببعض التفجيرات والهجمات، وتابعوا منفذيها عن بعد دون أي تدخل حتى وقوع الهجوم.
من هنا تنفتح شهية المعارضة اليوم على الوصول إلى ما لدى داود أوغلو من معلومات بحكم كونه رئيساً للوزراء في تلك الحقبة. وإن اعتبر بعض أن داود أوغلو لن يفصح أبداً عن أي سر، وأنه فقط يرد على تهديد إردوغان له، ويحاول أن يحمي نفسه بما لديه من أسرار، أو لعله يبعث برسالة إلى إردوغان تذكره بأن رئيس مخابراته هاكان فيدان، أو من يسميه إردوغان بصندوقه الأسود، هو في الأساس صديق وفيٌّ لداود أوغلو المعروف في تركيا بلقب «الخوجة» أو الأستاذ.
فهل سيأتي يوم تُكشف فيه أسرار تلك الحقبة أمام الشعب التركي؟ ليس في الأجل القريب على الأقل، لكن كما أن من حق الشعب التركي أن يطالب بكشف المستور، فإن من حق الشعوب العربية أيضا أن تطالب بكشف المستور عن الكثير من الملفات المشابهة التي كانت ساحاتها سوريا وليبيا ومصر والعراق. فالخوجة داود أوغلو و«السلطان» إردوغان، كما يلقبهما بعض، مسؤولان عن رسم جزء مهم مما حدث في الشرق الأوسط خلال ما يسمى الربيع العربي، ولشعوب هذه الدول الحق في معرفة أسرار تلك الحقبة، وما إذا كان تصعيد التوتر الأمني على أرضها مقصوداً لأهداف سياسية كما حدث في تركيا. وإن لم يكن من أجل حق شعوب هذه الدول، فعلى الأقل من أجل الجنود الأتراك الذين ضحوا بأرواحهم خلال معارك تصحيح أخطاء السياسة التركية الخارجية، ومن أجل الشعب التركي أيضا الذي تحولت أرضه إلى مقر ومركز للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين شركاء الرجلين في سياساتهما الخارجية في تلك الحقبة، من دون أن يعرف هذا الشعب لماذا يضطر اليوم لاستقبالهم والإنفاق عليهم من أموال ضرائبه، وتحمل العزلة السياسية ومقاطعة معظم دول الجوار من أجلهم.
- كاتب متخصص بالشؤون التركية
