العمران وجغرافيا الديني والسياسي

العمران وجغرافيا الديني والسياسي

الاثنين - 25 ذو الحجة 1440 هـ - 26 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [14881]
بزوغ شمس هذه المقالات التي أكتبها عن العمارة والسياسة كانت أثناء رحلتي الأولى من غرب الأقصر إلى القاهرة، وأنا أتأمل عالمي الصغير يهرب من بين يدي كما تهرب رمال الوادي الناعمة بين الأصابع أو يهرب الخيط من بين أصابع طفل ومعه تهرب بالونته إلى فضاء لا يعلم مداه، مع حركة نوافذ القطار العتيق المتجه من الأقصر إلى القاهرة، محاولاً الإمساك بخشب الشباك الذي أصبح استعارة لأي رابط فكري أتعلق به بغية استقرار عقلي ونفسي، أحسست بانفلات خيط البالونة وبتسرب الرمال من بين أصابعي في الوقت ذاته. كنت في الثامنة عشرة يومها، وكانت تلك أول رحلة طويلة لي من القرية إلى القاهرة، رحلة دخول دهاليز المكان وعلاقته بالزمان الشخصي والوطني معاً.
المولود الأول لرحلة التأمل هذه والذي بقي جنيناً لسنوات طوال كان علاقة العمران بالوعي بصورته الكبرى، علاقة العمران بالسياسة وبحالة ما سمي التدين التي كانت تنتاب الوطن أيامها‏،‏ وبالعمران أعني العمارة وتخطيط المدن وما فعله الإنسان من أجل تسهيل حياته في الزمان والمكان معاً. فكرة سيطرت على عقلي سنوات طويلة، أتأمل فيها علاقة المصريين بهويتهم، وهي علاقة قوية إذا قورنت بإحساسهم بالمواطنة‏.‏ فرغم قدم الدولة المصرية، فإن الهوية كانت دائماً أعلى من المواطنة، وهذا حديث يفسر في مقالات لاحقة.
لا يفوت المرء وهو مسافر بالقطار من الأقصر متجهاً نحو الشمال ونحو سدة الحكم في القاهرة أن الديني والدنيوي يمثلان خطين متوازيين لا يلتقيان إلا عند ملامستهما محيط دائرة المركز: القاهرة، وفي لحظة التماس هذه يقف المرء مشدوهاً أمام معادلة ثلاثية هي: علاقة العمران بالتدين وعلاقتهما معا بسدة الحكم في العاصمة، وأثر هذه العلاقات المركبة والمتداخلة على فكرة الوطن والمواطنة.
وكانت أولى العلامات ترتبط بالصبغة التصاعدية لأهمية المحافظات الإدارية من حيث تكثيف عدد السكان‏‏ والاقتصاد‏،‏ وكذلك الطقوس الاجتماعية والروحية‏، وفكرت ملياً في مسألة تخطيط المدن وتراتبها‏، ‏وكذلك المخيال السياسي والاجتماعي الناتج عنها‏.‏
عندما قررت الشروع في رحلتي لأول مرة، من قريتي الواقعة غرب الأقصر قاصداً «مصر» - كما تسمى القاهرة، كأننا هنا لا نعيش في مصر، مصر تعني القاهرة، أما من نحن ولمن ننتمي؟ فكان سؤالاً مفتوحاً لكل تأويل! - كنت كسائر الناس، غارقاً في تفاصيل عالمي الصغير المغلق ومع ذلك كان السفر بالنسبة لي هو فتح كوة في العالم المغلق فتحتها من قبل عبر خيالات كتب كنت أقرأها وطرق صوفية كنت في بداية تلمس دروبها، كانت الحروف - لا الكلمات فيها - ذات مغزى، عرفت فيها معنى الألف عند ابن عربي في فتوحاته، وأدركت معانيها عند خورخي لويس بورخيس قرب نهاية الرحلة. ألف بورخيس هو ذلك الحرف الذي لا يزيد على سنتيمترات ولكنه يحوي العالم بداخله، فيه ترى نفسك والعالم، والحروف أسرار، ومع ذلك يبقى سؤالي هنا عن العمران وعلاقات الزمان والمكان، الزمان المجرد والمكان المجرد، والزمان الشخصي والمكان الشخصي وتأثيراتها على الإنسان وعلاقته بالنفس والعالم.
عندما تشرع في السفر من الأقصر، لا بد أنك مدرك بأنك في بلد سيدي أبو الحجاج، صاحب المقام الذي يقف على الجنوب الشرقي من معبد الأقصر، وكلاهما مقام في المكان ذاته وبعلاقات مختلفة عبر الأزمان. يقام لسيدي أبو الحجاج في قلب الأقصر وفي قلب المعبد احتفال سنوي (مولد سيدي أبو الحجاج)، وفِي هذا المولد رمزية هي صورة لعالم الصعيد كما خبرته جملة، ولأهل الأقصر خاصة، ثنائية الضريح والمعبد، شرق النيل وغربه، الدنيوي والمقدس... فقريتنا تقع في غرب النيل عالم غروب الشمس (عالم الرقاد والموت)، بينما المدينة ذاتها تقع في عالم شروق الشمس (عالم الحياة)، يفصل النيل بيننا، بين عالم الحياة وعالم الموت، عالم السكك الحديدية والثورة الصناعية والحداثة، وما فعله القطار بإسراع في الزمان وإحساس بانكماش في المكان. عالمي لم يكن شرق النيل وتباشير الحداثة، عالمي كان عالم الرقاد ومدافن الفراعنة في وادي الملوك، كان عالمي هو المجتمع الزراعي في غرب النيل، وهذا هو العالم الذي خبرته، حيث ترى الفلاح ماسكاً بمحراث تجره بقرتان كما الصورة المرسومة على جدران المقبرة الفرعونية التي تبعد عن حقله عدة أمتار، لا تحتاج إلى أن تنظر إلى تمثالي ممنون بين حقول القرنة لتدرك مغزى ما أقول، كأن الزمن قد توقف من يومها وتجمدنا في حالة كهفية، حالة جمود أهل الكهف.
كنا نحيا في غرب النيل حياة أقرب إلى السبات، فما زالت محاريث أرضنا تجرها عجول الجواميس والبقر كما الحال في عصر الفراعنة، وما زلنا ندفن موتانا بطريقة أشبه إلى طريقة أجدادنا القدامى، نضع في أكفهم القطع الفضية لدفع أجرة المركب لعبور النيل، كما هو مرسوم على جدران المعابد والمقابر، وصفاً لرحلة الروح عبر مراكب الشمس، ما زلنا ندفن الأجنة غير المكتملة في آنية من الفخار نضعها تحت عتبة الباب، ولا ندفنها في المدافن، ولنا في ذلك أسبابنا، وتطوف النساء الراغبات في الحمل أو في إنجاب الذكور بمقام سيدي أبو الحجاج تارة أو بالمعبد تارة أخرى، يختلط الفرعوني معتقداً مع الإسلامي ممارسة، وربما هذا لا يخص مسلمي الأقصر فقط، لكنه ينطبق على مسيحييها أيضاً. الإسلامي عندنا مختلط بالفرعوني إلى درجة تدهش من تعلم منا وسافر بعيداً.
وهناك أيضا تداخل على مستوى الزمان بين الفرعوني والإسلامي، فإلى يومنا هذا ما زالت في الليلة الختامية لمولد سيدي أبو الحجاج، (التي أعتقد أنها ستفاجئ المصري القادم من الشمال بالدرجة نفسها التي ستفاجئ بها السائح الألماني أو الهولندي)، تحمل المراكب الشراعية على سيارة نقل من معبد الكرنك في شمال الأقصر (معبد الإله آمون رع) إلى معبد الأقصر جنوباً حيث ضريح أبو الحجاج، ذات الطقوس التي كانت تقام للإله آمون رع، عندما كان كهنة المعبد يحملون المراكب عبر طريق الكباش متجهين جنوباً... وكانت تسمى مراكب الشمس، أي المراكب التي تأخذك إلى الإله رع، الذي يرمز إليه قرص الشمس. مراكب لعبور نهر النيل الفاصل الجغرافي والذهني المتخيل بين العالمين، عالم الحياة في الشرق حيث بزوغ الشمس وعالم الرقاد والمغيب في الغرب. وأنا من العالم الأخير، عالم الحالة الكهفية التي يكون فيها الخط بين الله والعبد كامل الاستقامة، لذا تزاور الشمس عنا ذات اليمين وذات الشمال، لا ضرر ولا ضرار.
عالمنا فيه هشاشة لا أمل له إلا في ذلك الخط كامل الاستقامة بيننا وبين الله مباشرة في غرب الأقصر، أو عبر وسيط في الشرق أو عبر القطار المتجه إلى نقطة التقاء الرب والحاكم، عندما تتجلى القبتان في سدة الحكم ولتلك تفصيلها في فصل خاص. أما تجلياتها الصغرى فتراها في طواف النساء الراغبات في الحمل حول مقام سيدي أبو الحجاج أو معبد الأقصر الذي أصبح ضريح الحجاج جزءاً منه، في هذا المشهد تدرك تلك العلاقة الثلاثية الكاشفة، فالمرأة تهمس بين خشب الضريح، تدعو الله وتتوسل بالولي كي يمنحها الله البنين، وما عليها بعد ذلك إلا الانتظار، فإذا جاء الولد فتلك هبة من الله وكرامة للولي، لا دخل للعبد فيها. مقابل هذه العلاقة الثلاثية المكونة من العبد، والولي كواسطة، والإله المانح الوهاب، هناك علاقة المواطن، وعضو مجلس الشعب كواسطة ثم الحكومة التي تمنح وتمنع. هناك مقام الشيخ وقبة الضريح ومقام الحكومة المركزية في القاهرة وقبة مجلس الشعب. هذا التثليث كان معنا منذ البدء، ثلاثية (إيزيس - حورس - أوزيريس)، إيزيس هي زوجة أوزيريس إله الخير الذي قتل في مواجهة مع إله الشر ست في معركة فاصلة، قطع فيها الإله ست جسد أوزيريس وألقاه في النيل. فما كان من إيزيس إلا أن جمعت أشلاء الجسد قطعة قطعة، وقيل إنها وجدت آخر قطعة منه عند الشام، ثم جمعت كل الأجزاء في صندوق ورقدت عليه، فمنحها ابنها حورس... صورة أشبه بميلاد المسيح، ميلاد من دون تلاقح جسدي، ماء متوهم من أوزيريس التقى بماء متوهم من إيزيس فكان حورس. والناظر إلى صورة إيزيس وهي تحمل ابنها حورس، المرسومة على جدران معابد الأقصر، لن تفوته ملاحظة قرب الصورة من تلك الصور التي نراها للعذراء وهي تحمل المسيح في كنائس أوروبا، وربما في كنيسة كولون الشهيرة على وجه التحديد.
الأب والابن والروح القدس، إيزيس وحورس وأوزيريس، الإله والعذراء والمسيح... حتى الصليب القبطي اليوم لا يختلف كثيراً عن مفتاح الحياة أو الفتح (Anch) ذات الصليب الفرعوني، ولكنه انتقل إلى أيادٍ أخرى ومعبد آخر وكهنة آخرين... ثلاثية الرئيس والسيدة الأولى والابن الوريث في عالم انتقال السلطة التي شغلت المصريين في الأيام الأخيرة لحكم حسني مبارك. وللحديث بقية.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة