كارثة «الأمازون» والضمانات البيئية للشراكة

كارثة «الأمازون» والضمانات البيئية للشراكة

الاثنين - 25 ذو الحجة 1440 هـ - 26 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [14881]
ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قنبلة صادمة، يوم الجمعة الماضي، إذ صرح مكتبه الرئاسي بأن فرنسا تعارض التصديق على الاتفاقية التجارية الكبيرة التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع مجموعة «ميركورسر» لبلدان أميركا الجنوبية، نظراً لأن إحدى الدول الأعضاء في المجموعة، وهي البرازيل، قد أظهرت تقاعساً واضحاً في الالتزام بالمحافظة على غابات الأمازون المطيرة.
ولا تزال الاتفاقية، التي أبرمت على نحو مبدئي في شهر يونيو (حزيران) الماضي من قبل مفوضية الاتحاد الأوروبي، بعد مرور 20 عاماً من المفاوضات المستمرة، في حاجة إلى التصديق عليها من كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن البرلمان الأوروبي كذلك. وتعتبر تلك الاتفاقية جزءاً مهماً من إرث المفوضية المنتهية ولايتها تحت رئاسة جان كلود يونكر، وهي من أكبر الاتفاقيات التي تمكن الاتحاد الأوروبي من إبرامها من حيث الرسوم الجمركية الملغاة (بقيمة 4 مليارات يورو أو 4.4 مليار دولار، على أساس سنوي)، وهي أكبر اتفاقية تجارية تعقدها مجموعة «ميركورسر» الدولية منذ تأسيسها في عام 1991، كما أنها - أي الاتفاقية - تبعث برسالة سياسية واضحة إلى العالم الذي هزته الحروب التجارية الراهنة بين الولايات المتحدة الأميركية وبين الصين، مفادها: لا يزال الاتحاد الأوروبي هو القوة المحركة الرئيسية وراء التجارة الحرة حول العالم. ولكن، إن قورن كل ذلك الزخم المهم بحالة اجتثاث الغابات الخارجة عن السيطرة في إقليم غابات الأمازون في أميركا الجنوبية، فإن موقف الرئيس الفرنسي يلازم الصواب من حيث ضرورة مراجعة الاتفاقية بطرق معينة ومحددة تجعلها تعمل لصالح وليس ضد الأهداف المناخية.
ويعتري الرئيس الفرنسي غضب واضح إزاء الموقف المستخف والمستهين للغاية من جانب الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، حيال الحفاظ على الغابات المطيرة في بلاده، الذي برز على سطح الأحداث، إثر التقارير الإخبارية المتواترة بشأن حرائق الغابات الهائلة التي اشتعلت في غابات الأمازون، مع تسارع وتيرة عمليات اجتثاث الغابات في عهد الرئيس البرازيلي الحالي، في حين تراجعت أنشطة وكالات حماية البيئة، بشكل ملحوظ في البلاد، ومحاولاتها حماية الغابات من الانتهاكات القانونية المتعمدة والمتمثلة في القطع الجائر للأشجار. ولم يحاول الرئيس البرازيلي، من تيار أقصى اليمين السياسي، إخفاء رغبته وتأييده لأولوية الزراعة على حماية الغابات. وأدت سياساته المتبعة إلى تعليق ألمانيا ضخ التمويلات لمشروعات المحافظة على البيئة في البرازيل، وجاء رد الرئيس البرازيلي فجاً ومفاجئاً، إذ قال للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: «خذي دراهمك وأعيدي تشجير ألمانيا!».
أسفر الموقف الفرنسي الألماني الحالي عن حالة من التآزر المحتملة في وجه اتفاقية «ميركورسر» على وضعها الراهن. ويعتبر حزب «الخضر» الألماني من أقوى تيارات المعارضة المنافسة لحزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الذي تتزعمه المستشارة ميركل (وهم شركاء محتملون في الائتلاف الحاكم)، وعلى الرغم من أن المستشارة الألمانية من أقوى مؤيدي الاتفاقيات التجارية، إلا أن التحرك الحالي على مسار تأييد اتفاقية «ميركورسر» سوف يرجع بنتائج غير مواتية على الصعيد السياسي.
وهناك أطراف أخرى معارضة للاتفاقية المذكورة. إذ هدد رئيس وزراء آيرلندا الشمالية ليو فارادكار برفض التصديق على الاتفاقية تماماً، بسبب مواقف الرئيس البرازيلي الغريبة، وعلى أي حال، ربما يحول السيد فارادكار دون السماح بدخول صادرات اللحوم البرازيلية الرخيصة إلى الأسواق الأوروبية، التي تشكل تهديداً قائماً للمزارعين في آيرلندا.
ورغم دفاع المسؤولين الأوروبيين عن الاتفاقية، من واقع أنها تفرض التزاماً واضحاً على عاتق أميركا الجنوبية لمتابعة تحقيق الأهداف المناخية المنشودة والمنصوص عليها في اتفاقية باريس المناخية لعام 2016، والمعنية بإيقاف اجتثاث الغابات، فقد ثبت أن المزيد من الانفتاح على التجارة يزيد من معدلات اجتثاث الغابات في البرازيل وليس العكس. لذلك، من المناسب بالنسبة للرئيس الفرنسي، ولغيره من الزعماء الأوروبيين، إعادة النظر في اتفاقية «ميركورسر» التجارية استجابةً مباشرةً على مواقف وتصرفات الرئيس البرازيلي الرعناء.
بيد أنه ليست هناك حاجة أكيدة لإلغاء الاتفاقية بالكلية. فهناك سبيل يمكن تلمسه لإعادة النظر فيها، واستعراض بنودها، بحيث تظل مفيدة للأطراف المعنية بها من دون الإضرار بغابات الأمازون البرازيلية.
في عام 2017، صدر تقرير عن وزارة الزراعة الأميركية بشأن التجارة الدولية واجتثاث الغابات. وتدور الفكرة الرئيسية للتقرير حول معرفة أنواع المنتجات الأكثر إلحاقاً للضرر بالغابات في مختلف البلدان. وبالنسبة لأعضاء مجموعة «ميركورسر» الدولية، خصوصاً البرازيل والأرجنتين، فإن منتجات لحوم البقر وفول الصويا هي الأكثر تسبباً في اجتثاث الغابات. وكما هو الحال، يستند فصل الاستدامة في الاتفاقية المذكورة إلى المبادرات الخاصة المعنية بالحد من تأثير هذه المنتجات السلبي على البيئة. وذكرت ما يُعرف بـ«التوقف الاختياري لفول الصويا في البرازيل»؛ التعهد الطوعي بعدم شراء فول الصويا المزروع على أراضي الغابات المقطوعة مؤخراً في الأمازون (ما أدى إلى زيادة اجتثاث الغابات في السافانا البرازيلية، تلك التي لا يشملها قرار التوقف الاختياري). ولكن في عهد الرئيس البرازيلي الحالي، فمن غير المرجح لمثل هذه المبادرات أن تلقى مزيداً من الاهتمام.
يتعين للنسخة النهائية من الاتفاقية التجارية الربط الصريح بين الحصص التجارية للسلع المعرضة لمخاطر اجتثاث الغابات، مثل لحوم البقر وفول الصويا، بغية الحفاظ على المنطقة الثابتة من الغابات، أو زيادة رقعتها بمرور الوقت. كما من شأن الاتفاقية التجارية إنشاء آلية رقابية موثوقة: في وقت سابق من الشهر الحالي، تمت إقالة رئيس المعهد البرازيلي المسؤول عن مراقبة عمليات اجتثاث الغابات غير القانونية من منصبه بعدما وصف الرئيس البرازيلي البيانات الصادرة عن المعهد بأنها «محض أكاذيب».
وصرح الرئيس البرازيلي، للصحافيين الأوروبيين، الشهر الماضي، قائلاً: «يجب أن تفهموا أن الأمازون هي غابات برازيلية وليست أوروبية». حسناً، وهو يجب أن يدرك أن السوق الأوروبية تتبع الاتحاد الأوروبي من الناحية الرقابية، حسبما يعتبره الاتحاد الأوروبي مناسباً. كما أن زيادة المبيعات في هذه السوق المربحة ممكنة فقط في مقابل الضمانات البيئية للشراكة. وإن كانت مفاوضات اتفاقية «ميركورسر» التجارية قد استغرقت عقدين من الزمان، فإنه يمكنها الانتظار أعواماً أخرى حتى يتم تسوية هذه المسألة الشائكة تماماً.

- بالاتفاق مع «بلومبرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة