مارك ثيسن
كاتب اميركي
TT

أوباما في مواجهة الجنرالات

أشفق على الجنرال المسكين لويد أوستن، رئيس قادة الجيش الأميركي في الشرق الأوسط.
من النادر أن يقدم جنرال أميركي مشورة عسكرية للقائد الأعلى للقوات المسلحة ليقابل مرارا بالرفض.
في عام 2010، نصح الجنرال أوستن الرئيس أوباما بعدم سحب كافة القوات الأميركية من العراق، وأوصى الرئيس بدلا من ذلك بترك 24 ألف جندي أميركي (بعد أن كان عددهم 45 ألف جندي) بغية تأمين المكاسب العسكرية التي جرى تحقيقها أثناء تعزيز القوات ومنعا لعودة ظهور الإرهاب. لو كان أوباما قد استمع إلى مشورة أوستن، لكان من الممكن وقف صعود «داعش».
ولكن أوباما رفض مشورة أوستن وقام متحمسا بسحب كل القوات الأميركية من البلاد، متفاخرا بأنه وضع أخيرا نهاية «للحرب التي دامت طويلا في العراق».
والآن عادت مجددا «حرب طويلة في العراق». ولأن أوباما لم يتعلم من أخطائه الماضية، من المحتمل أن تندلع حرب لفترة أطول.
في الأسبوع الماضي، أعلن أوباما عن استراتيجية لإعادة هزيمة الإرهابيين في العراق. ولكن بدلا من أن يستمع لقادة الجيش هذه المرة، رفض الرئيس أوباما، لمرة أخرى، المشورة... تستطيع أن تتوقع أنها من الجنرال لويد أوستن.
أفادت صحيفة «واشنطن بوست» بأنه عندما طُلب منه تقديم المشورة بشأن أفضل السبل لإلحاق الهزيمة بتنظيم «داعش» في العراق وسوريا، قال أوستن للرئيس إن «أفضل مشورة عسكرية لديه كانت تتمثل في إرسال فرقة متواضعة من القوات الأميركية، ولا سيما قوات العمليات الخاصة، لتقديم المشورة والمساعدة لوحدات الجيش العراقي في حربه ضد (داعش)». لم ينفذ أوباما أي شيء من هذا القبيل، ولفتت الصحيفة إلى أن مشورة أوستن «قوبلت بالرفض لصالح خيارات لا تتضمن وجود قوات برية أميركية في خط المواجهة».
في الحقيقة، أصر أوباما، أثناء خطابه إلى الأمة، على أن «القوات الأميركية لن تخوض مهمة قتالية - نحن لن نتورط في حرب برية أخرى في العراق». وصرح أن الجهود المبذولة من أجل محاربة داعش «تختلف عن الحروب في العراق وأفغانستان»، موضحا أنها تسير على غرار الحملات الجوية التي شنها ضد فروع تنظيم القاعدة مثل فرع تنظيم القاعدة في اليمن.
هناك مشكلة واحدة تتعلق بهذا الأمر: الحملة الجوية في اليمن لم تؤت ثمارها؛ فقد تمكن تنظيم القاعدة أخيرا من تسريب قوات إلى العاصمة اليمنية، صنعاء، ولفت مسؤولون يمنيون إلى أن قوة تنظيم القاعدة في اليمن تتزايد. وكما أشارت كاثرين زيمرمان، الخبيرة في شؤون مكافحة الإرهاب، بمعهد أميركان إنتربرايز، فإن فرع تنظيم القاعدة في اليمن كان يقف وراء «تهديد إرهابي أسفر عن غلق أكثر من 20 موقعا دبلوماسيا في شمال أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط في أغسطس (آب) 2013». وإذا ظل «داعش» قويا - بعد 4 سنوات من الآن - بما يكفي بحيث يتمكن من غلق 20 سفارة وقنصلية، فإن استراتيجية أوباما «لإضعاف وتدمير» داعش سوف تبوء بالفشل.
لا يمكن للغارات الجوية وحدها أن تلحق الهزيمة بتنظيم داعش. وهذا لا يعني غزو العراق مجددا، ولكن مثلما أشار كل من فريد وكيمبرلي كاغان - المفكرين الرئيسيين وراء نجاح تعزيز القوات في العراق عام 2007 - في دراسة جديدة، فإن إلحاق الهزيمة بداعش «سوف يتطلب وجود ما يقرب من 25 ألفا من القوات البرية في العراق وسوريا». وسوف تلعب الغالبية العظمى من تلك القوات دورا داعما لعدة آلاف من القوات الأميركية ووحدات المهمات الخاصة - الذين سيجري نشرهم في مجموعات صغيرة بين العشائر السنية وقوات البيشمركة الكردية ووحدات الجيش العراقي.
مكافحة الإرهاب عبر الجو فقط ستبوء بالفشل، لأن داعش ليس «منظمة إرهابية واضحة وبسيطة» كما زعم الرئيس أوباما في خطابه. داعش يحكم رقعة من الأراضي في حجم المملكة المتحدة. إنه يحكم مدنا، ويجمع الضرائب ويسيطر على الموارد الطبيعية، ويجلب ما قيمته 3 ملايين دولار يوميا من عائدات النفط. كما أن لديه جيشا تقليديا - تمكن من تحقيق النصر في قتاله ضد جيوش تقليدية أخرى. وكما أوضح تشاك هيغل، وزير الدفاع في إدارة الرئيس أوباما: «تجاوز داعش كونه مجرد تنظيم إرهابي. إنهم يزاوجون بين الآيديولوجيا والبراعة العسكرية التكتيكية والاستراتيجية المتطورة، كما أنهم يتلقون تمويلا جيدا بشكل كبير. هذا تجاوز أي شيء رأيناه من قبل. ولذلك يجب أن نستعد لكل شيء». وعلى ما يبدو أن المقصود كل شيء ما عدا القتال البري.
ويبدو أن أوباما مهتم بالتمييز بين ما يفعله في العراق وما قامت به إدارة جورج دبليو بوش أكثر من اهتمامه باتباع استراتيجية للحرب من شأنها أن تلحق الهزيمة بالعدو. وحتى قبل أيام قليلة ماضية، نفى كل من الرئيس أوباما ووزير خارجيته جون كيري علنا أننا في حالة حرب مع داعش - حيث إن إطلاق أي مسمى آخر عليها غير حرب من شأنه أن يجعل منها أي شيء آخر أقل من الحرب.
نعم، نحن في حالة حرب مع داعش. وإذا كنا نبغي «تدميره» (كما وعد أوباما)، فإن الرئيس يحتاج إلى الاستماع إلى قادته العسكريين.
وإذا ظل يتجاهل مشورتهم، ربما يخوض حربا لفترة طويلة وشاقة للغاية - أو ما هو أسوأ من ذلك بكثير.
* خدمة «واشنطن بوست»