لماذا حزن التونسيون على السبسي؟

لماذا حزن التونسيون على السبسي؟

الجمعة - 24 ذو القعدة 1440 هـ - 26 يوليو 2019 مـ رقم العدد [14850]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية
رغم أن الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي تعرض إلى وعكة حادة قبل أيام إلى درجة رواج خبر وفاته، فإن تماثله للشفاء وعودته المحتشمة للنشاط الرئاسي قد بعثا رسالة طمأنة للشعب التونسي جعلته لا شعورياً يستبعد سيناريو الموت القريب.
ولكن الموت قدر الجميع مهما كنا ومهما طال بنا المقام في الحياة الدنيا.
سأكون صريحة وأقول إنّ موت الساسة ظل في غالب الأحيان، رغم أهميته التي مصدرها بالأساس أهمية منصب الحكم في العباد والبلاد ذاته، أقل وطأة من موت القريبين منا في الدم، وأيضاً أقل سطوة من موت الفنانين الكبار الذين نقع في أسر عشقهم والهوس بهم.
غير أن ذلك ليس قاعدة؛ فالشعوب تحزن على ملوكها وعلى رؤسائها، ولعل حزن الشعب المصري والعالم العربي بأسره على موت جمال عبد الناصر مثلاً من الأحزان التي لا تزال عالقة في الوجدان العربي.
أيضاً لا ننسى أن الموت يُجمل صاحبه. عند الموت ننسى العيوب وتحضر المحاسن ولو كانت لا تُرى قبل حدث الموت.
إذن مات الباجي قايد السبسي وخلف ذلك حزناً عند كثير من التونسيين... حزن أنصاره وحزن المختلفين معه. فكيف نقرأ حزن التونسيين على رئيسهم وهم الذين منذ سنوات لا ينقطعون عن التذمر المتواصل ويعلنون باستمرار عن انتقادات، بعضها كان لاذعاً؟
أولاً: للموت هيبته. يشبه الشعور الذي ينتاب العائلة عند موت الأب إلى حد ما، الشعور الذي ينتاب الشعب عندما يموت رئيسه. يمكن وصف هذا الشعور بأنه شكل من أشكال اليتم. وفي الفضاء العربي بشكل عام هناك علاقة من الأبوة بين الشعب ورئيسه، رغم أنها في كثير من البلدان أبوة مرفوضة ومقاومة، ولكن لا نستطيع أن ننكر ما يصيب شعور شعوبنا من حالة يتم حتى لو كانت خاطفة وقصيرة عندما يموت الحاكم.
ثانياً: لأول مرة يموت رئيس تونسي وهو ما يزال يمارس الرئاسة في قصر قرطاج وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة وهو أعلى ممثل لتونس. وهذه نقطة مهمة وتمثل حدثاً جديداً لم يعشه التونسيون من قبل، فالزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي يعد الأب الروحي الرمزي للتونسيين، والذي حكم تونس بمشروعية الاستقلال والنضال، حُرم التونسيون من توديعه ولم يعبروا عن حزنهم عند وفاته بالشكل الذي يليق بمؤسس الدولة الوطنية الحديثة رغم أنه مات خارج الحكم وخارج قصر قرطاج.
أيضاً تمّ خلع الرئيس السابق زين العابدين بن علي عند اندلاع ثورة 14 يناير (كانون الثاني) 2011... لذلك فإن الرئيس الباجي قايد السبسي هو أوّل من يغادر قصر قرطاج إلى مثواه الأخير.
حزن التونسيون لأن السبسي أول رئيس تمّ انتخابه في أول انتخابات رئاسية ديمقراطية بعد الثورة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، أي أنه الرئيس الذي يمثل اختيارهم الفعلي عبر صناديق الاقتراع.
حزن التونسيون لأن السبسي بورقيبي المدرسة السياسيّة وتقلّد كثيرا من الحقائب الوزارية في مرحلة الحكم البورقيبي، علاوة على أن طريقة عرضه للأشياء وطبيعة الخطاب الذي يتبناه الذي يقوم على مبدأ هيبة الدولة، هي طريقة موروثة عن بورقيبة تحديداً.
لا ننسى أن عودة السبسي للحياة السياسية وتأسيس حزب «نداء تونس» وجمع كل من يخالف صعود حركة «النهضة» إلى الحكم خصوصاً بعد حدث فوزها في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي... على اختلاف مشاربهم الآيديولوجية في حركة سياسية واحدة، قد أحدث منعرجاً في الاتجاه السياسي التونسي آنذاك، الأمر الذي جعله في تمثلات التونسيين في تلك اللحظة السياسية بمثابة المنقذ للمشروع التحديثي التونسي وحامي الدولة التونسية من هيمنة حركة «النهضة»، خصوصاً أنّها الوحيدة المنظمة سياسيا وتتميز بانضباط قواعدها التاريخي.
حزن التونسيون على وفاة السبسي لأنه تركهم في لحظة صعبة، فتونس مثقلة بالديون وعجلة الاقتصاد لم تدر بعد والتشرذم يسود الحقل السياسي وحركة «نداء تونس» التي مثلت أمل تونس ها هي منذ سنوات وهي تعاني الانشقاق والتراشق السياسي، وأسس المنشقون عنها حركات سياسية أخرى، أي أن النخبة السياسية التحديثية متجزئة بشكل لا يوفر لها فرص الفوز بالأغلبية النسبية على الأقل كي تبقى الدولة في يد الحداثيين.
في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل ستعرف تونس انتخابات تشريعية ورئاسية ثانية بعد الثورة، وكان الرئيس الراحل السبسي مرشح حركة «نداء تونس» للمرة الثانية. بمعنى آخر، فإن رحيل السبسي خلط بعض الأوراق السياسية وسيجعل الحسابات التي أقامتها بعض الأحزاب والأطراف عرضة للمراجعة والتعديل وربما للمحو أيضاً.
إنّ حزن التونسيين على رئيسهم الباجي قايد السبسي مركبٌ إلى حد التعقيد، فهم رغم اختلاف بعضهم حول سياسة الوفاق التي انتهجها مع حركة «النهضة» بعد فوزه بالرئاسة واعتبارهم التوافق تراجعاً عن تعهدات حملته الانتخابية، فإنه لا أحد يشكك في وطنيته وفي حنكته السياسية وفي قدرته على إيجاد الحلول، وهو الذي كان دائما يردد في حواراته ما يسميه العبقرية التونسية التي يراها في أن هناك سقفاً تونسياً من التشاجر والاختلاف، وأنه عندما يبلغ هذا السقف حده فإن العبقرية التونسية تتدخل لإيجاد الحل.
رحم الله الابن البار لبورقيبة دون أن يفوتنا وضع التجربتين في سياقهما التاريخي والموضوعي.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة