لماذا يحتل هاشتاغ «روسيا غزت أوكرانيا» أهمية؟

لماذا يحتل هاشتاغ «روسيا غزت أوكرانيا» أهمية؟

الأحد - 20 ذو القعدة 1435 هـ - 14 سبتمبر 2014 مـ رقم العدد [13074]
كريستيا فريلاند
كاتبة وصحافية وسياسية كندية

صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأسبوع الماضي بأنه بمقدوره ضم كييف في غضون أسبوعين. وخلال هذا الأسبوع، تنصل بوتين من اتفاق وقف إطلاق النار، ثم طرح خطة للسلام. ويدخل الآن اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. أسفرت هذه الأوضاع المتذبذبة عن ارتباك لدى الغرب بشأن نوايا بوتين، تزامنا مع اجتماع يجمع الناتو والاتحاد الأوروبي للتباحث حول كيفية مواجهة الأزمة.
كان الأوكرانيون قادرين على الرد في خضم حرب المعلومات؛ فعندما اشتبك الجنود الروس علنا مع القوات الأوكرانية في نهاية أغسطس (آب)، بدأ يسود هاشتاغ جديد على موقع تويتر «#روسيا غزت أوكرانيا»، وسمه شخص بيلاورسي، وروّج له الأوكرانيون بشيء من الحماسة. وقد استخدم هذا الهاشتاغ ما يقرب من نصف مليون مرة خلال الأيام القليلة الأولى. وبعد أسبوع، كان يجري نشره مئات المرات في الساعة الواحدة.
في هذا الصراع، أصبح النشاط الذي تحركه التكنولوجيا مميزا. بدأت ثورة الميدان في أوكرانيا بمشاركة عبر «فيسبوك»، ومع ما تقوم به «وحدة نيرد» - التي تضم متطوعين يقومون بمهمة التعهيد الجماعي بغية تمويل الطائرات من دون طيار التابعة لهم - في شرق أوكرانيا المتنازع عليه. أما الجديد والمهم بشأن هاشتاغ «#روسيا غزت أوكرانيا» هو لغته الواضحة.
إعادة استخدام اللغة المخادعة في الخطاب العام تعد واحدا من ملامح حرب روسيا ضد أوكرانيا؛ حيث لجأ الكرملين إلى استخدام معلومات مضللة، والدعاية والخداع الصريح لتأطير الجدل حول هذه القضية. وأصر نشطاء الإنترنت في أوكرانيا على استخدام هاشتاغ «#روسيا غزت أوكرانيا» لتذكير قادة الغرب والصحافيين ممن يتجنبون استخدام مثل تلك المصطلحات الواضحة بأن الكلمات الضعيفة التي نستخدمها تعد تنازلا لا داعي له للسيد بوتين.
ربما يبدو من المجدي الاهتمام بالاستخدام السليم للغة، عندما أودت الحرب بالفعل بحياة 3 آلاف شخص على الأقل. ولكن لم يكن الأمر كذلك. أوضح جورج أورويل في مقاله الشهير عام 1946 «السياسة واللغة الإنجليزية» أن المعركة ضد اللغة الإنجليزية الضعيفة لم تكن أمرا تافها نظرا لأن «ضعف لغتنا يجعل من السهل غرس أفكار حمقاء في عقولنا».
وثمة مسألة تتعلق بـ«المراوغة»، فمن خلال اعتبار أن العدوان الأخير ضد أوكرانيا يعد «توغلا»، مثلما نظر إليه الرئيس أوباما عندما دخلت الدبابات الروسية إلى الأراضي الأوكرانية في بادئ الأمر، يمكننا بذلك إتاحة مخرج أكثر سهولة أمام بوتين. فإذا لم يحدث أن قام بشن «الغزو»، فمن المنطق أنه لن يكون بحاجة لمواجهة مهانة الانسحاب.
ربما يمثل هذا الأمر نظرية معقولة هذا الصيف. عقب تدمير طائرة الخطوط الجوية الماليزية، الرحلة رقم 17، قامت روسيا بالفعل بغزو أوكرانيا وضمت جزءا منها (شبه جزيرة القرم)، وكان يقود حركة التمرد المواطنون الروس والأسلحة الروسية بمنطقة دونباس في شرق أوكرانيا، ولكن كان من الممكن بكل تأكيد أن يختار بوتين إنهاء الصراع الذي كلف روسيا بالفعل مليارات الدولارات، ولكنه لم يلجأ إلى هذا الخيار، بل اختار اللجوء إلى المزيد من التصعيد من خلال إرسال قوات ومعدات روسية بصورة مباشرة، بينما كان يحرز الجيش الأوكراني تقدما في دونباس.
في حال اختيار بوتين اللجوء إلى حل وسط بشأن أوكرانيا (ويبدو أن أفضل سيناريو متاح حتى الآن سيئ ومن شأنه أن يعمل على زعزعة الاستقرار «الصراع المجمد» في دونباس)، فإنه لن يكون بحاجة لمساعدة الغرب لتبرير موقفه بالداخل، بالنظر لما لديه من آلة دعائية محلية قوية تمكنه من القيام بذلك.
من خلال تبني اللغة المخادعة التي يستخدمها بوتين، فإننا بذلك لا نقدم له غطاء دبلوماسيا لتجنب إحراجه، بل إننا بذلك نقنعه بمواطن قوته ونقاط ضعفنا. عندما وصف التلفزيون الروسي القوات الروسية التي تقاتل في أوكرانيا بأنها «تقضي عطلتها»، فإن الكرملين بذلك لم يؤكد فقط أن بمقدوره إرسال قوات إلى أوكرانيا، ولكنه أيضا أكد أنه يمكنه تفسير وجود تلك القوات من خلال حجة واضحة عدوانية ترقى إلى حد السخرية العدوانية.
بوتين يتحدانا بخداع مزدوج، أحدهما عسكري وآخر خطابي.
يمكن للعقلاء التمييز بين المدى الذي يتعين علينا دعم أوكرانيا فيه ومدى قوة العقوبات التي نفرضها على روسيا. ولكن لم يعد من الممكن الاختلاف بشأن ما يحدث.
إنها ليست حربا أهلية، ولا انقلابا فاشيا، ولم يثر الأوكرانيون في الشرق ضد نظام قمعي في كييف.
ولا ندري ما إذا كانت محادثات هذا الأسبوع بشأن وقف إطلاق النار حقيقية أم أنها مجرد خدعة. كما أننا لا ندري ما إذا كانت أوكرانيا ستظل دولة مستقلة وقادرة على البقاء أم لا. ولكن هناك شيء واحد مؤكد بالفعل وهو أن روسيا غزت دولة ديمقراطية وذات سيادة، وتسعى من خلال استخدام القوة إلى التحكم فيها.
ربما نقرر أننا نفتقر إلى الإرادة التي يمكن بموجبها وقف هذا الغزو أو مساعدة الأوكرانيين بقوة لوقفه، ولكن من أجل اتخاذ ذلك القرار فإننا بحاجة لنكون واضحين بشأن ما يحدث. من المهم هنا التمييز بين الكذب والحقيقة؛ لأن هذا الصراع بدأ بثورة الشعب الأوكراني ضد الاستبداد ودفاعا عن الحقوق الليبرالية والمسؤوليات التي يعدها الأوكرانيون قيما أوروبية. إنها تعد جزئيا بمثابة معركة تدافع عن حرية التعبير في مواجهة الرقابة. في النزاع الأوكراني - الروسي، يعد الوضوح الأخلاقي أمرا ضروريا، ولكن لتحقيق ذلك فإننا بحاجة لوضوح لغوي أيضا: الأوكرانيون قرروا بناء ديمقراطية في الداخل، وإقامة اتفاق تجاري مع أوروبا؛ وروسيا غزت أوكرانيا.
وأفادت رئيسة ليتوانيا داليا جريباوسكايتي في وقت سابق من الأسبوع الحالي على «تويتر»: «#تعرضت أوكرانيا لهجوم بسبب خيارها الأوروبي. إنها لم تدافع فقط عن أراضيها، ولكنها تدافع أيضا عن أوروبا وقيمها».
فإذا كان القتال في دونباس يمثل في واقع الأمر حربا أهلية، فسوف يجذب هذا الأمر اهتمام الأوكرانيين والروسيين والأوروبيين الشرقيين، وكل شخص يهتم بشأن الآلاف ممن لقوا حتفهم، ولكن ستكون التداعيات الأمنية الواسعةُ النطاق محدودةً. البلدان التي تتفكك هي الاتحاد السوفياتي، ويوغوسلافيا، وتشيكوسلوفاكيا، وربما حتى المملكة المتحدة. ما يجعل للصراع الأوكراني قيمة هو أنه لا يدخل في إطار الحرب الأهلية. إنه عبارة عن ضم لأراض، وغزو دولة أوروبية بواسطة دولة أخرى. ومثلما ذكر كارل بيلت، وزير الخارجية السويدي، في خطاب ألقاه في برلين في يونيو (حزيران)، فإن الهيكل الأمني لأوروبا مبني بالكامل على الاتفاق بأن هذا الأمر لن يحدث مجددا على الإطلاق. وفي هذا الصدد قال بيلت: «مبدأ احترام الحدود القائمة يشكل أحد أسس السلام الرئيسية في أوروبا». وأضاف: «جرى الالتزام به حتى مارس (آذار) من العام الجاري».
وبعبارة أخرى، انتهكت روسيا القواعد الجيوسياسية لأوروبا، وبالتالي قامت بتغييرها.
احتمالية مواجهة بوتين أمر مؤلم، وإلا فسوف نعيش في عالم تحكمه هذه القوانين الجديدة. يدرك بوتين وهؤلاء المروجون له هذا الأمر جيدا، ولهذا السبب فإنهم يفضلون اللجوء إلى التعتيم، وهو الخيار الأكثر خطورة من أي شيء.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة