ألمانيا تعيد حساباتها في منطقة الخليج

ألمانيا تعيد حساباتها في منطقة الخليج

الجمعة - 10 ذو القعدة 1440 هـ - 12 يوليو 2019 مـ رقم العدد [14836]
عبد العزيز حمد العويشق
الأمين العام المساعد للشؤون السياسية وشؤون المفاوضات في مجلس التعاون الخليجي.
في تطور مفاجئ، تشهد العاصمة الألمانية برلين هذه الأيام عدداً من الفعاليات هدفها استعادة الزخم المفقود في علاقات ألمانيا مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بعد سنوات من التقارب مع إيران دون جدوى. ويشارك في تنظيم تلك الفعاليات الجهات الرسمية الألمانية، مثل الأكاديمية الاتحادية للسياسة الأمنية، التابعة لوزارة الدفاع، والمؤسسات الخاصة مثل جمعية الصداقة العربية الألمانية. وتساهم فيها بشكل كبير غرف التجارة والصناعة، وأهم المؤسسات غير الربحية في ألمانيا مثل برتلزمان، كونراد آديناور، وبيرغهوف.
كان لسفراء دول مجلس التعاون في برلين دور ملموس في استعادة هذا الزخم، وكذا سفراء ألمانيا لدى دول المنطقة، إذ سعوا إلى تجسير الهوة التي اتسعت في السنوات الأخيرة بسبب اختلاف وجهات النظر حول الملف النووي الإيراني، والحرب في اليمن.
ومع أهمية دور الدبلوماسيين في تحقيق التقارب الجديد بين ألمانيا ودول المجلس، فإن ثمة عوامل أخرى اقتصادية وسياسية تدفع بهذا التطور الإيجابي؛ أولها أن أوروبا أصيبت بخيبة الأمل من سياسات إيران في المنطقة بعد التوقيع على الاتفاق النووي، فقد كانت تأمل أن يؤدي الاتفاق وما صاحبه من قبول دولي بإيران إلى تغيير تصرفاتها الإقليمية بأن تصبح أكثر التزاماً بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ولكن حدث العكس، فـ«الحرس الثوري»الإيراني فسّر الاتفاق النووي بأنه رخصة لزيادة نشاطه ونشاط وكلائه في المنطقة، وقامت إيران باستغلال جزء من الموارد المالية التي صاحبت الاتفاق النووي لتمويل ذلك النشاط، الذي بلغ مداه في التهديدات المتكررة لإغلاق مضيقي هرمز وباب المندب وتعطيل صادرات النفط من المنطقة رداً على العقوبات الأميركية لإيران. وأعقبت تلك التهديدات هجمات متكررة على ناقلات النفط ومنشآت نفطية داخل المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى زيادة وتيرة هجمات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على الأهداف المدنية في المملكة. فمع أن ألمانيا انتقدت إعادة فرض العقوبات الأميركية على إيران، فإنها لا تتفق مع إيران على طريقة الرد على تلك العقوبات.
سبب آخر لخيبة الأمل الألمانية هو فشل مساعي وزير الخارجية هايكو ماس للتهدئة، فقد اكتشف أن إيران ليست في وارد التراجع عن موقفها الصدامي مع الولايات المتحدة، وازدادت خيبة الأمل هذه حدة حينما قامت إيران بخرق الاتفاق النووي.
على المستوى الشعبي أيضاً، انخفضت شعبية إيران بسبب تشددها وتصرفاتها الاستفزازية في المنطقة، خاصة بعد كشف دورها السلبي في سوريا، الذي أدى إلى زيادة أزمة المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا، حيث تحتضن ألمانيا أكبر نسبة منهم، فضلاً عن الكشف عن أنشطة لـ«حزب الله» في ألمانيا.
الاستثناء الوحيد ربما كان في صفوف بعض فئات اليمين المتطرف التي تستند إلى مقولات نازية بوجود إرث ثقافي مشترك بين إيران وألمانيا، وكانت ألمانيا النازية ترى في هذه النظرية وسيلة لكسب ولاء إيران إلى معسكرها ضد روسيا وبريطانيا، ففي عام 1939 قدمت ألمانيا إلى إيران «مكتبة علمية» تتكون من أكثر من 7500 كتاب تم اختيارها لإقناع الإيرانيين بصلات القرابة بألمانيا. وظلت ألمانيا، على مدى عقود عدة، الدولة الرئيسية الداعمة لإيران، وشريكها التجاري الأول. وفي السنوات الأخيرة ساهم بعض الألمان من أصول إيرانية في هجمات اليمين المتطرف على المهاجرين واللاجئين، منطلقين من تلك المفاهيم النازية القديمة.
هذه الأيام تظهر خيبة الأمل الألمانية واضحة لدى الشركات الألمانية، التي كانت تُمنّي نفسها بازدهار التجارة مع إيران بعد الاتفاق النووي، ولكنها وجدت السوق الإيرانية محدودة الحجم، حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 400 مليار دولار، بل بدأت بالانكماش مؤخراً، كما وجدتها صعبة الاختراق بسبب سيطرة الدولة - خاصة «الحرس الثوري» - على مقاليد الاقتصاد.
أما التجارة المحدودة التي بدأت بين ألمانيا وإيران بعد الاتفاق النووي، فقد انهارت مؤخراً بسبب العقوبات الأميركية، ولم تنجح الأدوات التي تبناها الاتحاد الأوروبي لتجاوز تلك العقوبات في تفادي الانهيار، حيث تشير المعلومات التي نشرتها غرفة التجارة الألمانية إلى أن صادرات ألمانيا إلى إيران لم تتجاوز 525 مليون دولار خلال الفترة بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان) 2019، منخفضة بنسبة 49 في المائة مقارنة بالفترة نفسها عام 2018. أما صادرات إيران إلى ألمانيا، التي لم تتجاوز 92 مليون دولار، فهي لا تكاد تُذكر. ولذلك لم يتبق من الشركات الألمانية العاملة في إيران سوى نحو 60 شركة، وقد قام كثير منها بتقليص النشاط هناك.
بعد أن خابت آمال الشركات الألمانية في سوق إيران، تسعى الآن إلى استعادة حصتها التقليدية في السوق الخليجية، التي يبلغ حجمها نحو 1.8 تريليون دولار، أو أكثر من أربعة أضعاف السوق الإيرانية، في حين تبلغ صادرات ألمانيا إلى دول مجلس التعاون نحو 23 مليار دولار، أو 50 ضعف صادراتها إلى إيران.
والذي يظهر الآن هو أن الحقائق على الأرض تدفع ألمانيا دفعاً إلى إعادة حساباتها في المنطقة. فعلى الرغم من تحفظات ألمانيا على استراتيجية إدارة الرئيس ترمب تجاه إيران، فإن إحباطاتها مع إيران تضاعفت، خاصة إزاء التصعيد الإيراني في جميع الجبهات، والاستفزازات التي قد تؤدي إلى نشوب حرب جديدة في المنطقة، مما يهدد مصالح ألمانيا ويفاقم أزمة اللاجئين والمهاجرين من المنطقة إلى أوروبا. وهي الأزمة التي غيرت موازين القوى السياسية هناك، ففقدت الأحزاب التقليدية التي كانت تتداول الحكم كثيراً من نفوذها لحساب الأحزاب المتطرفة والهامشية.
وهناك عامل أخير، وهو الرغبة الألمانية في لعب دور الوسيط في أزمة إيران مع جيرانها ومع الولايات المتحدة. فلكي تلعب هذا الدور، يجب أن تظهر بدور المحايد، لا المنحاز لإيران.
ولهذه الأسباب، فإن أطرافاً كثيرة في برلين تدعو إلى حوار استراتيجي مع دول مجلس التعاون حول جميع القضايا، لاستعادة التوازن في السياسة الخارجية لألمانيا، والتمهيد لتطور إيجابي في العلاقات الخليجية - الألمانية. وقد استجاب مجلس التعاون لتلك الرغبة وقدم مقترحاً تفصيلياً للجانب الألماني لتحقيق ذلك.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة