اللاجئون يكبحون الطامعين

اللاجئون يكبحون الطامعين

الخميس - 16 شوال 1440 هـ - 20 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14814]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
لا رحمة في هذا العالم. في كل مرة تطلق فيها المفوضية العليا لشؤون اللاجئين صرخة أقوى من التي سبقتها، ورقماً أضخم مما قبله، ومع ذلك لا يرف جفن لمسؤول ولا تتوقف مصانع السلاح عن التوريد والابتكار، وتخصيص المليارات للتوصل إلى أسلحة أكثر فتكاً وأشد دماراً، وتتوالى المؤامرات على الشعوب الضعيفة، لنسف ما تبقى لها من استقرار من أجل حفنة من المصالح.
لمرة جديدة يقفز عدد اللاجئين، وهذه المرة ليس بسبب الحرب في سوريا فقط، وإنما نتيجة ما تعيشه فنزويلا أيضاً، حيث عاد السكان إلى المقايضة بعد أن وصلت المواجهة بين الرئيس نيكولاس مادورو والمعارض خوان غوايدو، المستمرة منذ خمسة أشهر، إلى طريق مسدودة. ولم يكن ينقص الفنزويليين الذين هاجر منهم أربعة ملايين خلال أربعة أعوام، إلا هذا الصراع ليصبح سبعة ملايين بينهم في عوز، ويعيشون تحت رحمة المساعدات الإنسانية التي لا تصل، في عودة مأساوية إلى زمن العصور الأولى بعد شح الغذاء والأدوية والبنزين والكهرباء في بلد البترول والغاز والاحتياطات العالمية التي يسيل لها اللعاب.
لم تعد شعوب كثيرة محمية من خطر اللجوء الذي قد يداهمها في أي لحظة مهما عظمت ثرواتها؛ ولنا في العراق عبرة.
تقول المفوضية إن عدد اللاجئين صار يقترب من 71 مليوناً، أي ضعف عددهم منذ عقدين، غالبيتهم انتقلوا من دولهم البائسة إلى دول أخرى فقيرة ومتهالكة أو غيروا مناطقهم في بلدهم نفسه. ومن الغريب أن الدول الغنية التي ترفع الصوت عالياً ويملأ احتجاجها الإعلام، مثل الاتحاد الأوروبي، ليست هي التي تستقبل الجحافل، وإن كانت ألمانيا تشكل استثناء. فالدول الفقيرة تستقبل ضعف ما تقبله الدول الغنية، وأما الأكثر فقراً فقد اضطرت مذعنة لاستقبال ثلث هؤلاء. فالقوى الكبرى غالباً ما تقنع دول الجوار التي هي أول المستقبلين بأن حسن الضيافة عليهم والتكاليف الباهظة عليها، لكنها ما إن يستقر الحال باللاجئين، ويستتب أمرهم حتى تسحب يدها، وتترك البؤساء يتصارعون فيما بينهم.
والكلام حول عنصرية المستضيفين كما يحدث في لبنان، ليس الكبار منه براء. فهم يسهمون في إشعال النيران، وتأجيج الحروب، ويندفعون للوعد بالمساعدة في السلم بعد الحرب، لكنهم عند التسديد قليلاً ما يلتزمون.
فمن المآسي أن مناطق جديدة تشتعل وموجات أخرى تبدأ بالنزوح، قبل أن تندمل جروح شعوب سبقتها. فلم تعد الصراعات تتوقف بعد سنة أو اثنتين، ومنها ما يستمر لعقود. لا، بل إن حرباً تبدأ لا يبدو أن إنهاءها بات من الممكنات. فلا تزال أفغانستان بلد حروب، والعراق جريحاً، وسوريا تلفظ أبناءها، وليبيا تئن وجعاً، فيما تتفجر مآسي الروهينغا، وتعصف أعمال العنف في كولومبيا. ومن المفارقات أن يضطر المهاجر إلى الهجرة من جديد كما حصل مع عراقيين وفلسطينيين في سوريا، أو أن تتجه قوافل معذبين من بلد كالصومال لتحتمي ببلد يكتوي بالنار كاليمن. حقاً إن بؤس هذا العالم لم يعد يحتمل، خاصة أن الظلم يأتي على الصغار قبل الكبار وأن أكثر من مائة ألف طفل هاجروا العام الماضي وحدهم دون أن يكونوا في حمى أسرة أو فرد من عائلتهم.
وبينما تهدد السويد بترحيل مئات اللاجئين اللبنانيين الذين فرّ غالبيتهم خلال الحرب الإسرائيلية عام 2006، تتبع الحكومة اللبنانية سياسة لتخفيض عدد النازحين السوريين بعد أن أصبح الوضع الاقتصادي لا يسمح للبناني الذي احتضن جاره في بيته ومع عائلته بأن يقبل استمرار منافسته له في لقمته.
ومع أن الأرض تتسع دائماً للجميع، وهي خصبة ودافئة كحضن أم، فإن المشكلة دائماً ليست في المساحات، بل في الذهنيات، والخوف من اقتسام الفرص التي تشح أصلاً. الشعوب تزداد فقراً وخوفاً. لم يسبق أن كان الأوروبي قلقاً على معاشه التقاعدي أكثر مما هو عليه اليوم، ولم نسمع قبلُ عن توتر مزمن في الدول الكبيرة خشية على ثقافتها من الغزو، كما نسمع حالياً. وكأنما الأمور انقلبت، والمخاوف انعكست، ودبت فوضى، فيما كل شيء يعاد تشكله، من بنية الدول، إلى ديموغرافيات الشعوب، إلى إعادة ترسيم الحدود والسلطات حتى داخل أوروبا نفسها، و«البريكست» ليس مجرد ظاهرة عابرة. كل هذا والنزاعات تنذر بمزيد من اللاجئين. وحين يقولون لك إن دولاً كثيرة كانت تشعل فتيل الحروب كي تبيع أسلحتها وتنعش اقتصادها، باتت تخشى من اندلاعها خوفاً على أمنها الاجتماعي، فذاك بالتأكيد مما بات يحسب له كبير حساب. هذا لا يعني أن السلم آت وأن الأمن يستتب، لكن العالم بمقدوره أن يكون أكثر بشاعة وعنفاً، والفرص كلها متوفرة، لولا هذا الكابح الجديد والمفيد.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة