التعايش الطائفي في العراق

التعايش الطائفي في العراق

الجمعة - 11 شوال 1440 هـ - 14 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14808]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
رغم كل ما تميز به العراق من تعددية، فإن العراقيين عبر تاريخهم الطويل لم يتركوا لهذه الفروق فرصة لتسمم علاقاتهم أو تضع حواجز بينهم. سكن الأكراد بين العرب، والعرب سكنوا بين الكرد والتركمان. السني يتزوج شيعية والشيعي يتزوج بسنيّة. لا ينزعج الحنفي من زوجته إذا رآها تربي أولادها كجعفرية، والجعفري لا يثور إذا رأى زوجته السنية تربي ابنها على المذهب الحنفي. بالطبع هذا للموضوع، فهناك بعض الحزازات الطائفية والتمييز غير أنها تبقى محدودة ولا ترتقي إلى معارك دامية وقتولات كما تجري في كثير من البلدان.
من الجدير بالنظر أن العراقيين قاموا بهذا الحدث الكبير، وهو أنهم غيّروا الحكم بعد مئات السنين عام 2003، وفعلوا ذلك بانتخابات شرعية وسلمية. توقع الكثيرون أن البلاد ستغرق في لجة من الدماء بين الطوائف. بيد أن ذلك لم يحدث قط. انتقل الحكم وسقط صدام حسين بما أطلقوا عليه هذه الكلمة البسيطة فسموا النقلة التغيير. لا ثورة ولا انقلاب ولا حرب أهلية. إنها مجرد «تغيير» وأطلقوا على 2003 عام التغيير. وصاغوا كلمة أخرى: «المحاصصة». يعنون بها أن تقسم المناصب والوظائف بحيث تكون لكل طائفة وقومية حصتها حسب نسبتها الإحصائية من السكان. هكذا أصبح رئيس الجمهورية كردياً، ورئيس الوزراء شيعياً، ورئيس مجلس النواب سنياً. إن ما جرى في العراق منذ عام التغيير جدير بدراسة الكثير من بلدان الشرق الأوسط. ومما يذكر أن فكرة المحاصصة لم تأتِ بها أميركا. كانت معروفة في العهد الملكي. فرغم هيمنة السنة على الحكم كان هناك عدد من الشيعة في مناصب وزارية كثيرة وتولى رئاسة الوزراء ثلاثة من أبناء الشيعة.
ما ينساه الكثيرون أن بغداد كانت عاصمة الإمبراطورية الإسلامية لقرون عدة، بحيث ضمت شتى الطوائف والقوميات. وكعاصمة لهم جميعاً كان عليها أن تظهر من التسامح والتعايش ما تقتضيه هذه الإمبراطورية الواسعة وتجعل كل واحد من أبنائها يشعر بانتمائه إليها. ورغم كل ما قد يظهرونه من عنعنات ومشاحنات فإن فكرة الانتماء لهوية واحدة تغلغلت في نفوسهم. ومن المعتاد أن تلمس روح الزعل والحرج عندما تسأل عراقياً عن طائفته.
ما زلت أتذكر أنني خرجت من العراق بعد انقلاب قاسم. حطت بي الطائرة في بيروت وتهالك عليّ ضباط المطار يسألونني عنه «شو مذهبه هذا؟»، تحيرت في الإجابة ثم قلت لهم «ممكن تقولون اشتراكي ديمقراطي». ابتسموا قليلاً ثم قالوا لي: «مش هيك! بدنا نعرف شو مذهبه يعني سني أم شيعي؟» جاء دوري لأبتسم، ففي تلك الأيام كنا في العراق نعتبر مذهب الإنسان إيمانه السياسي شيوعياً، قومياً، ديمقراطياً... إلخ. وأنا إلى اليوم لا أعرف ماذا كان قاسم، سنياً أم شيعياً؟
وهو ما يذكرني بالشيخ محروث الهذال، كان رئيس عشيرة عنزة السنية، لكنه في المجلس كان يمثل كربلاء، المركز الشيعي. تحير في ذلك الوزير صادق البصام فانتهز فرصة وسأل الشيخ: أنت حقيقة سني أم شيعي؟ فأجابه قائلاً: با خسا الاثنين ويعيش الله!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة