الأصلع والأقرع

الأصلع والأقرع

الأحد - 6 شوال 1440 هـ - 09 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14803]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
لا أدري كيف أفسر هذا الاهتمام العربي الكبير بشعر الإنسان ومصير هذا الشعر. ربما لأننا نتميز بكثافة الشعر وغمق لونه، فنلاحظ سقوطه وانعدامه بصورة تصدمنا وتلفت أنظارنا. لقد قيل الكثير من الأشعار في الصلع وها أنا أكرس بدوري هذه المقالة له. ولكن الصلع هو غير القرع. يردنا الأول بصورة طبيعية ويداهمنا في الغالب عند الكبر. ولهذا فكثيراً ما نجله ونعتبره دليلاً على النضوج وسعة العقل وغزارة العلم والمعرفة والحكمة. بيد أن الغربيين لا يولون الصلع مثل هذا التبجيل على ما ألاحظ بين الفينة والفينة. فالقصيدة الصلعاء والرواية الصلعاء والموسيقى الصلعاء عندهم لا تنم عن رفعة خاصة كما يبدو لي.
أما القرع فيرد بصورة غير طبيعية ويداهم الصغار والكبار على حد سواء. ويعتبر ظاهرة مرضية تؤدي إلى تقشر البشرة والتهابها وسقوط الشعر منها، ولهذا ينظر إليه نظرة سيئة تماماً. ومن الطريف أن الغربيين لا يملكون بصورة عامة كلمة تقابل كلمة القرع العربية، وإنما يشيرون إليه باصطلاحات مرضية علمية.
بقدر ما ورد في اللغة العربية الفصحى من إشارات للصلع وردت إشارات في اللهجات العامية إلى القرع، حتى ليمكن القول إن الصلع أديب والقرع سوقي ذليل. من الأمثال العامية التي تستشهد بالقرع قول القائل: «القرعة تتباهى بشعر أختها». و«أحطك على قرعتي» و«أقرع ونزهي» وكذلك «أقرع وحاط لنفسه ريحة»؟
من أشهر الأمثلة الشائعة في منطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية القول القائل: «جبت الأقرع يونسني، كشف راسه وخرعني». ويروى المثل في لبنان بصيغة «جبت الأقرع يشجعنا، كشف راسه وفزعنا». ومن الطريف أن المصريين لا يعرفون مثلاً مشابهاً له. وقد عللت إحدى الزميلات المصريات ذلك بقولها إن المصريين مكشوفو الرأس ولا يلفون رؤوسهم اعتيادياً بغترة. ومن ثم فلا مجال للأقرع منهم أن يفاجئ الآخرين بقرعته.
أما أصل هذا المثل الشائع فيقال إن امرأة عانت كثيراً من معاكسات ابنها وسوء مزاجه وكثرة بكائه. وبذلت كل ما في وسعها من حيل وأظهرت له من ألعاب وحكت له من حكايات دون أن تستطيع أن تشغله بشيء أو تهدئ من روعه بقدر. ثم رأت رجلاً ماراً في حال سبيله فسألها عما دهاها فأشارت إلى ابنها و«استرجته» أن يفعل ما بقدرته لإيناسه وإسكاته فتطوع الرجل لتلبية الرجاء. مد يده إلى غترته وأزاحها عن رأسه وكشف قرعته للطفل ليتفرج عليه. ما أن رأته المرأة الوالدة حتى هالها ما رأت من قرعته فسقطت إلى الأرض مغمياً عليها.
وعندها خف جيرانها لإسعافها ورشوا الماء على وجهها فاستفاقت من إغمائها فسألوها عما دهاها فأجبتهم بإيجاز وقالت: «جبت الأقرع يونسني، كشف راسه وخرعني»!
فسار القول مثلاً بين الناس وشاع في شتى البلدان العربية.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة