ما المال القليل أو الكثير الذي قال طه حسين إن الأدباء الشباب ينفسونه على الأدباء الشيوخ، والذي قلت إنه كان أحد أسباب كتابة سيد قطب مقاله السفيه والمسف عن شيوخ الأدب؟
لندع صديق سيد قطب الحميم، عباس خضر، يطلعنا على هذا الجانب، لأنه في حدود اطلاعي هو الأديب الوحيد المعاصر لشيوخ الأدب وشبابه في عقدي الثلاثينات والأربعينات الذي أمدنا بشيء من المعلومات عن الجانب المالي أو المال القليل أو الكثير - حسبما عبر طه حسين - الذي يكسبه كبار الكتاب من الكتابة في المجلات الثقافية والصحف ومن تأليف الكتب. ولأنه - وهذا هو الأهم - لا يغلف ما ينطوي في صدره من صغائر الأمور بشعارات اجتماعية ووطنية وقومية وإنسانية، كما يفعل صديقه الحميم سيد قطب. وبعد أن يطلعنا عباس خضر بمعلوماته عن الجانب المالي سأجعله اللسان الكاشف عما خبأه سيد قطب، باستنطاق تلك المعلومات.
يقول في مقال من مقالات في ذكرياته الأدبية التي كتبها في مجلة «الثقافة»، الصادرة عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» في سبعينيات القرن الماضي، نشر في يوليو (تموز) 1978، العدد 58: «كنت أكتب في (الرسالة) مقالات متفرقة قبل أن أبدأ في تحرير باب (الأدب والفن في أسبوع)، ولم أكن أتناول أجراً على تلك المقالات بطبيعة الحال: حال النشر في ذلك الوقت، سواء بالنسبة للكتاب المتمرسين أو الناشئين، وهؤلاء بصفة خاصة يكفي أن يشجعوا بمجرد النشر، وأعتقد أن هذا يجري حتى الآن. ولكن مجلة (الثقافة) التي كانت تصدر أسبوعية عن لجنة التأليف والترجمة والنشر كانت تعطي على كل ما ينشر أجراً ولو قليلاً... أما (الرسالة) فلم تكن تعطي إلا لكتاب معدودين، هم بالتحديد مصطفى صادق الرافعي وعباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني. ثم أخيراً توفيق الحكيم لما طالب بالأجر بعد أن كتب كثيراً بالمجان، وتقرر له ثلاثة جنيهات لقاء المقال، وأكبر مبلغ كان يأخذه العقاد، وهو ثمانية جنيهات. كان الحكيم لا يزال مبتدئاً، وإن كان ابتداؤه كانتهاء غيره. وغير أولئك لم يكن أحد يأخذ شيئاً، برغم الشهرة وطول التمرس على الكتابة، مثل زكي مبارك وأحمد زكي ومحمد عبد الله عنان وساطع الحصري وإسعاف النشاشيبي وسعيد العريان ومحمود شاكر وسيد قطب وكامل حبيب وعلي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل وغيرهم... وكانت الأمور بالنسبة لنشر الأدب، تسير على ذلك. الأدباء لا يطلبون ولا يتوقعون أن يثابوا على إنتاج. فهم يفرزون الأدب كما تفرز الغدد عصارتها. ولم تكن النقود تغريهم. وهم لا يعملون لها حساباً، إذ كانوا - في الغالب - موظفين في الحكومة يتناولون من وظائفهم مرتبات تكفيهم وزيادة في معيشة تجري رخاء، وقد يرفدها دخل من أملاك موروثة، إذ كان المتعلمون - في غير الأزهر - من أبناء القادرين، والأزهريون اعتادوا على التقشف».
وفي مقال آخر من مقالات ذكرياته الأدبية، نشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1976، العدد 38، ذكر المعلومة التي تعنينا كثيراً في الحديث عن أسباب كتابة سيد قطب مقاله السفيه والمسف عن شيوخ الأدب.
يقول عباس خضر: «وكانت (الرسالة) في ذلك الوقت (نحو سنة 1947) تعاني ضعفاً من جراء انصراف صاحبها عن العناية بها وعن استكتاب كبار الكتاب... على حين أن كبار الكتاب أمثال العقاد والمازني وتوفيق الحكيم قد دخلوا في عهد من (الدفع) لهم بسخاء في جريدة (أخبار اليوم) التي كان من دأبها في السعي إلى الانتشار أن تستقطب المشهورين من الكتاب استغلالاً لأسمائهم اللامعة، فصار من العسير على (الرسالة) أن تجاري في ذلك. ومنذ ذلك الحين لم تستطع مجلة أدبية أن تسير إلا أن تدفع (دفعاً محترماً). وكان الأمر من قبل هواية أدبية لا يبغي الأدباء منها كسباً مادياً إلا القليل».
وفي سلسلة مقالاته (هؤلاء عرفتهم)، حين كتب عن عباس محمود العقاد مقالاً نشر في مارس (آذار) 1977، العدد 42، عاد للحديث عما سماه طه حسين المال القليل أو الكثير الذي ينفسه الأدباء الشباب على الأدباء الشيوخ.
يقول عن العقاد حين توقف عن الكتابة في مجلة «الرسالة» بسببه: «وإذا كان الزيات قد (وفر) ما كان يدفعه للعقاد، فإن العقاد لم يضره ذلك. فقد بدأت (أخبار اليوم) تستكتبه بأضعاف هذا المبلغ جرياً على سياستها في استغلال أقلام كبار الأدباء للرواج الصحافي، فوظفت عندها توفيق الحكيم والمازني وسلامة موسى محررين، واستكتبت العقاد من الخارج، وإلى جانب ذلك كانت كتب (العبقريات) تدر عليه رزقاً كبيراً، وهو لم يعرف الرزق الكبير إلا من (العبقريات). ويذكر الباحثون والدارسون كثيراً من بواعث تأليف هذه الكتب وآثارها الأدبية والفكرية. ولكنهم يغفلون العنصر المالي فيها كباعث. كما كان مثله عند طه حسين في الكتب الإسلامية. وربما لا يكون هذا باعثاً في البدء، ولكنه ولا شك حفز على الاسترسال والاستكثار».
أقوال صديق سيد قطب الحميم، عباس خضر، هذه، تحتاج إلى شرح وتنبيه واستدراك وملحوظات.
العقاد يأخذ أكبر مبلغ من مجلة «الرسالة»، لأنه لم يكن موظفاً في الحكومة، ولا موظفاً في قطاع خاص، ولم يكن من ذوي الأملاك الموروثة، فهو يعتمد على الكتابة في الصحف، وبخاصة الصحف الحزبية، وعلى مؤلفاته في رزقه ومعاشه المالي. وهذا ما أغفله عباس خضر لغل في نفسه عليه. مجلة «الرسالة» أنشئت عام 1933، ومجلة «الثقافة» أنشئت عام 1939، الأولى أنشأها أحمد حسن الزيات والأخرى أصدرتها لجنة التأليف والترجمة والنشر، ولعلها كانت «تعطي على كل ما ينشر ولو قليلاً»، لأنها كانت تنافس المجلة الأولى، التي كانت هي الأشهر والأبرز والأكثر انتشاراً في مصر وفي العالم العربي. لم يذكر اسم طه حسين ضمن الكتاب المعدودين الذين تعطيهم مجلة «الرسالة» أجراً، ولا ضمن الكتاب الذين لا يستلمون منها أجراً على كتاباتهم! ومن المتواتر عن طه حسين أنه كان بحاجة ماسة إلى المال الإضافي، الذي يجنيه من الكتابة في الصحف والمجلات ومن تأليف الكتب، لأن زوجته سوزان كان لا بد لها أن تقضي أشهر الصيف في باريس، وأحياناً في جبل لبنان، لأنها لا تطيق حر القاهرة.
عباس خضر غير دقيق فيما يرويه، ومن ذلك تحديده عام استكتاب مصطفى أمين صاحب جريدة «أخبار اليوم» ورئيس تحريرها، كبار الكتاب، بعام 1947، مع أن مصطفى أمين بدأ في استكتابهم في مجلة «الاثنين» أثناء رئاسته تحريرها من عام 1941 إلى 1944. وكرر استكتابهم في جريدة «أخبار اليوم» حين أنشأها في عام 1944.
يراودني شك أنه يفعل ذلك عن عمد، وليس عن إهمال، ليخدم بذلك التخليط بين الأعوام خصوماته ومشكلاته الشخصية مع بعض كبار الكتاب في الواقعة التي هو يرويها. تَوقُّفُ العقاد عن الكتابة في مجلة «الرسالة» بسبب مقال كتبه عباس خضر في باب «الأدب والفن في أسبوع» تسافه فيه عليه، ليس لأن هذا التوقف - كما روى - لا يضره مالياً مسوغاً ذلك بأن مجلة «أخبار اليوم» تعطيه أضعاف المبلغ الذي تعطيه مجلة «الرسالة»، فهو كان دائماً بحاجة إلى الكتابة في أكثر من مطبوعة، لأنها تمنحه دخله المالي الأساسي، وليس دخله المالي الإضافي، لذا فهو قد توقف عن الكتابة في مجلة «الرسالة»، ليس للسبب الذي ذكره، وإنما غضباً لكرامته. ومما يجدر لفت النظر إليه أن عباس خضر روى قصة المقال الذي تسافه فيه على العقاد رواية منقوصة، ويجدها القارئ كاملة في مقال وديع فلسطين عن العقاد في كتابه «وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره». تنم عبارة «الدفع بسخاء» وعبارة «الدفع المحترم»، وقوله: إن كتب «العبقريات» تدر على العقاد رزقاً كبيراً، وأنه لم يعرف الرزق الكبير إلا من «العبقريات»، أن صدره مضطرم حسداً مما ناله العقاد والمازني وتوفيق الحكيم وسلامة موسى من أجر مالي. وتنم عبارة «استغلال أسماء الكتاب المشهورين اللامعة»، وعبارة «استغلال أقلام كبار الأدباء للرواج الصحافي»، عن أنه ساخط وحانق على جريدة «أخبار اليوم»، لأنها كانت تدفع مكافآت مالية مجزية لكبار الكتاب! لن أناقش هنا صحة أن اتجاه العقاد وطه حسين إلى الكتابة في مجال الإسلاميات له باعث مالي، أو استدراكه بأن الباعث المالي حفّز على الاسترسال والإكثار منها، وإنما سأشير إلى ثلاث مسائل، هي: تعليله هذا لا ينسلخ عن حسده لكبار الكتاب الذين يحظون بـ«دفع سخي» و«دفع محترم»، وعن سخطه وحنقه على «أخبار اليوم» التي تهبهم هذا الدفع السخي والمحترم. الجانب المالي هو شغله الشاغل، وهو الباعث على غمزه ولمزه بالعقاد وطه حسين. وهو الباعث على تتفيهه مقالات المازني في «أخبار اليوم»، وذلك حينما قال: «الأدب لمجرد الأدب لا ينفع في هذا البلد، أي لا ينفع صاحبه في معاشه، ولا بد من إضافة شيء إليه، ولولا كتابة المازني التافهة المثيرة في (أخبار اليوم) في أواخر حياته لمات جوعاً». إن تعليله بالباعث المالي لو كان غير مغرض لشمل سيد قطب به حينما تحدث عنه في ذكرياته الأدبية، وحينما خصه بحديث في سلسلة مقالاته (هؤلاء عرفتهم)، بل إن تعليل اتجاهه إلى الكتابة في مجال الإسلاميات بالباعث المالي هو الأكثر وجاهة، لأنه لم يكسب أي مال، لا من مقالاته الأدبية والنقدية، ولا من كتبه الأدبية والنقدية التي لم تلق رواجاً، بينما العقاد وطه حسين كانت مقالاتهم وكتبهم الأدبية والنقدية تدر عليهم مالاً، وفوق ذلك - بخلاف سيد قطب - هما حققا بها علو الصيت وسعة الشهرة. وللحديث بقية.
TT
غلّ وحسد وحنق
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
