لماذا يريد ترمب استنساخ اليابان في بلاده؟

لماذا يريد ترمب استنساخ اليابان في بلاده؟

السبت - 15 شعبان 1440 هـ - 20 أبريل 2019 مـ رقم العدد [14753]
قبل أربعة عقود، نشر الخبير الآسيوي عزرا فوغل كتابه المهم «اليابان رقم واحد». وأعرب في كتابه عن حاجة الولايات المتحدة إلى أن تعتمد جوانب من الاقتصاد الياباني المتفوق إذا ما أرادت حيازة قصب السبق في التنافس المحتدم مع القوة الكبيرة في شرق آسيا. والتمس صناع السياسات في واشنطن الحكمة بتجاهل آراء الرجل وقتذاك. ثم غرقت اليابان في أزمة مالية طاحنة أعقبتها ثلاثة عقود من الآلام والأوجاع الاقتصادية القاسية، في الوقت الذي واصلت فيه الولايات المتحدة مسارها نحو التقدم والازدهار.
ومع اجتماع مسؤولي البلدين خلال الأسبوع الحالي للتحضير لاتفاقية التجارة الثنائية الحرة، يبدو أن الرئيس الأميركي يفكر في إعادة النظر في أطروحة السيد فوغل القديمة. وتبدو سياساته المفضلة راهناً تميل إلى محاكاة تلك السياسات التي ساهمت بالأساس في تقويض أركان الصعود الاقتصادي الياباني، ثم أسفرت عن سقوطه اللاحق. فإذا ما أصر الرئيس الأميركي على منهجه، فمن المتوقع للاقتصاد الأميركي أن يشهد المصير نفسه.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، أن كراهية دونالد ترمب العميقة للهجرة والمهاجرين لا تناظره فيها إلا حكومة اليابان. ومن دون الاستعانة بمنطق واضح نجده يعلن أن الولايات المتحدة صارت «كاملة العدد»، ويتجاهل رئيس الولايات المتحدة في ذلك حقيقة مهمة مفادها أن القبول الأميركي للأجانب هو من الأسباب الرئيسية التي ساهمت في تفادي البلاد لكارثة الشيخوخة التي لا تضاهيها إلا اليابان. وحرمان الولايات المتحدة من العمالة الوافدة الجديدة من شأنه إعاقة النمو الاقتصادي في البلاد تماماً كما وقع في اليابان.
ومن مجالات التشابه الأميركية اليابانية الواضحة نجد نزعة الحمائية التي تؤكد على حالة الانعزالية المعتمدة يابانياً منذ عقود. وكانت عواقب اعتماد تلك السياسة في اليابان وخيمة للغاية. وعلى مر السنين، أسفر الدفاع الحكومي المستميت عن بعض القطاعات الاقتصادية بعينها – وأغلبها القطاع الزراعي وما يتفرع عنه – عن تقويض الإنتاجية، ومعاقبة الأسر بارتفاع تكاليف المعيشة لأسعار فلكية.
كما ظل الساسة وقادة الأعمال في اليابان متشبثين لفترة طويلة باستراتيجية «الصناعة لأجل التصدير»؛ مما أفضى بهم إلى الإخفاق في التكيف مع تغيرات الاقتصاد العالمي. ونتيجة لذلك؛ تفوقت بعض الشركات اليابانية في الصناعات الراقية. لكن هناك الكثير للغاية من المؤسسات الصناعية المعيبة والمستمرة في العمل في اليابان، في حين أنها لا تفعل ما يكفي لتشجيع رجال الأعمال على خوض غمار المجالات والقطاعات الجديدة؛ مما ترك الشركات اليابانية عرضة للمنافسة القوية من جانب الصين الصاعدة.
وميل الرئيس الأميركي إلى حماية القطاعات الصناعية المفضلة لديه، مثل الصلب والغسالات، قد ألحقت الضرر على نحو مماثل بالمستهلكين والشركات على حد سواء. وكان الرئيس الأميركي عاقداً العزم كذلك على تعزيز صناعات الماضي مثل تجميع الإلكترونيات ومصانع تجميع السيارات، بدلاً من الاهتمام بصناعات المستقبل.
وحتى الملاحقات الأخيرة من طرف الرئيس ترمب لبنك الاحتياطي الفيدرالي تماثل مسار السياسات النقدية اليابانية. وإثر إحباطه من أسلوب إدارة بنك الاحتياطي الفيدرالي الراهن، والذي يحمّله الرئيس ترمب تبعات تهديد النمو الاقتصادي الأميركي عن طريق الاستمرار في زيادة سعر الفائدة في البلاد، يحاول الرئيس ترمب في الآونة الراهنة الدفع بـ«الأولياء الموالين» له في مجلس إدارة بنك الاحتياطي الفيدرالي، والذي يشارك واحد منهم (ستيفن مور) الرئيس ترمب في توجهاته المالية المتساهلة.
ولقد فعلت حكومة اليابان الأمر نفسه؛ إذ استقر معدل الإقراض الرئيسي لدى البنك المركزي الياباني عند حده الصفري منذ 20 عاماً، وظل ملازماً هذا الحد حتى الآن رغم بعض حالات الانقطاع الطفيفة. وحتى تلك التوجهات لم تكن كافية بحال لاسترضاء رئيس الوزراء شينزو آبي، الذي عيّن في عام 2013 أحد صناع السياسات من الموالين لوجهات نظره دونما معارضة، وهو هاروهيكو كورودا، على رأس المؤسسة. وضخ المحافظ الجديد للبنك المركزي الياباني موجة عارمة من السيولة النقدية في الاقتصاد باستخدام استراتيجيات عمل غير تقليدية، بما في ذلك معدلات الفائدة السلبية.
وكانت النتائج المترتبة موضع الكثير من الشكوك في أفضل أحوالها. فلقد تضخمت موازنة البنك المركزي الياباني لما يتجاوز موازنة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أو البنك المركزي الأوروبي بالنسبة إلى حجم اقتصاد البلاد، وذلك في عملية تشويه كاملة وممنهجة لسوق السندات الحكومية اليابانية. ورغم ذلك، فإن الناتج المحلي الإجمالي لليابان، وفق الأسعار الراهنة، يكاد يبارح مكانه منذ أن فرض البنك المركزي الياباني برنامج السعر الصفري للفائدة أول الأمر. وعلى النقيض من ذلك، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الأميركي لأكثر من الضعف خلال الفترة نفسها.
كما أن موجة هاروهيكو كورودا السطحية لم تسهم في تعزيز تضخم الين الياباني لبلوغ هدف البنك عند نقطتين مئويتين أو حتى عملت على زيادة الأجور، التي ظلت ثابتة القيمة خلال العام الماضي بأكمله. وفي الأثناء ذاتها، سمحت تكاليف الاقتراض المنخفضة، للدولة المسرفة في الإنفاق، بالمراوغة والتهرب من الواقع المالي المزري في البلاد. وعلى مر العقدين الماضيين، تضاعفت ديون الحكومة اليابانية بالنسبة إلى الناتج الوطني وصولاً إلى نسبة 240 في المائة تقريباً، وذلك وفقاً إلى بيانات صندوق النقد الدولي الصادرة بهذا الشأن. وربما كانت الأوضاع أسوأ حالاً في غياب سخاء البنك المركزي الياباني. ومع ذلك، فإن الدرس الذي ينبغي على الرئيس الأميركي الاستفادة منه في تجربة اليابان أن المحفزات النقدية لا بد لها من حدود تقف عندها وتلتزم بها.
ومن المفارقات الساخرة في هذا السياق، حتى اليابان ذات التغيرات شديدة البطء قد استفاقت أخيراً من غفوتها واستشعرت مخاطر سياساتها المالية البالية. وبات السيد شينزو آبي مُرحباً بالمزيد من العمال الأجانب الوافدين على البلاد، كما أنه وقّع على اتفاقيات رئيسية للتجارة الحرة مع مختلف البلدان، بما في ذلك اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي المنقحة، تلك التي رفضها الرئيس الأميركي ترمب.
ومن شأن التوجهات السياسية المتباينة لدى الحكومتين الأميركية واليابانية أن تمنح طوكيو قدراً من النفوذ في مفاوضات الأسبوع الحالي التجارية. وفي حين أن الرئيس الأميركي قد أبقى حكومة بلاده على هامش الأحداث، إلا أن المزارعين الأميركيين قد خسروا الأموال الكثيرة في الأسواق اليابانية أمام المنافسين في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي التي أعيدت تسميتها. وفي الأثناء ذاتها، ومن واقع ولعه الواضح بالسيارات، فمن المرجح للرئيس ترمب أن يحاول الحد من صادرات السيارات اليابانية إلى الولايات المتحدة؛ الأمر الذي من شأنه إلحاق الضرر بالمستهلك الأميركي مرة أخرى لأجل تحقيق الحد الأدنى الممكن من الأرباح في المكاسب الفعلية للتجارة.
ومما يؤسف له، أن اليابان، في تلك الأجواء، تمثل تذكرة صارخة وقوية للأضرار الاقتصادية التي يمكن وقوعها إثر التشبث غير المبرر بالماضي المثالي عوضاً عن الاستعداد الواجب للمستقبل المجهول. فإذا ما أراد الرئيس الأميركي استنساخ التجربة الاقتصادية اليابانية في الولايات المتحدة، ربما ينبغي عليه محاكاة تجاربها الإصلاحية الأخيرة، وليس مجرد أخطاء الماضي التليد.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة