فلنضحك على بخلاء الجاحظ

فلنضحك على بخلاء الجاحظ

الثلاثاء - 11 شعبان 1440 هـ - 16 أبريل 2019 مـ رقم العدد [14749]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
إنني أعتبر أبا عمر عثمان الجاحظ أعظم كاتب فكاهي ظهر في العالم في القرون الوسطى. ولم يتميز بكتاب كما تميز في كتابه الكبير «البخلاء». عكس هذا الكتاب الشهير لوذعية الجاحظ في وضع إصبعه على هذه الظاهرة العالمية المرتبطة بالفقر والجوع، ظاهرة البخل وما نشأ عنها من أدب الفكاهة والسخرية.
يصب الجاحظ سخريته بصورة خاصة على أهل مرو وخراسان عموماً، وفيما يقوله عنهم إن بخلهم امتد حتى إلى حيواناتهم. فهناك ترى الديك انفرد عن كل ديكة العالم بأنه ينهب حبة الشعير من منقار الدجاجة. فالمفروض في دنيا الأحياء أن يؤثر الذكر الأنثى على نفسه. ينطبق ذلك على الأسود والقطط ومعظم الأحياء باستثناء إنسان الشرق الأوسط. فعلى المرأة عندنا أن تقف جانباً حتى يفرغ الرجل من الأكل. ينطبق ذلك أيضاً على الرشوة والاختلاس. تعطي دائماً الرشوة للموظف أولاً قبل الموظفة. وللموظف مثل حظ موظفتين. لكل شيء أسبابه وجذوره. فمن آداب المائدة الإنجليزية أنك لا تمد يدك حتى تنتهي النساء من اختيار ما يشأن من الفاكهة. وهو تقليد تمتد جذوره إلى الحرب العالمية عندما شح الموز في بريطانيا.
الحقيقة أن ملاحظة الجاحظ في هذا الشأن تكشف عن عمق تفكيره العلمي، بالإضافة إلى موهبته الأدبية. فصفاتنا تنتج من بيئتنا والبيئة التي تصوغ سلوكنا تصوغ أيضاً سلوك الأحياء الأخرى. الحمام والغزلان في بريطانيا مثلاً لا تخاف من الإنسان أو تهرب منه كما تفعل عندنا. ونظام الصف (الكيو) الذي ابتدعه الإنجليز يتبعه الحمام أيضاً. وجدته يقف على ذراعي عندما أطعمه بيدي فينتظر دوره واحداً بعد الآخر.
لاحظ الجاحظ أن ديكة مرو تنهب الحبة من منقار الدجاجة. قال: «فعلمت أن بخلهم شيء في طبع البلاد وفي جواهر الماء، فمن ثم عم جميع حيوانهم».
«يقول المروزي للزائر إذا أتاه وللجليس إذا طال جلوسه: تغديت اليوم؟ فإن قال نعم، قال: لولا أنك تغديت لغديتك بغداء طيب. وإن قال لا، قال: لو كنت تغديت لسقيتك خمسة أقداح».
بيد أن من أظرف حكاياته ما جرى لجماعة من الأصحاب الخراسانيين الذين ترافقوا في منزل وقرروا الاشتراك في مصباح. ولكن واحداً منهم أبى الاشتراك في تكلفة الزيت. فعمدوا إلى شد عينيه بمنديل عندما يشعلون المصباح لئلا يستفيد من نوره. ثم يفكون المنديل عن عينيه عندما يطفئون المصباح.
على غرار هذه الحكاية وردت قصة الرفاق الذين ترافقوا على الطبخ سوية. كانوا يقطعون اللحم ويأخذ كل منهم قطعته فيشدها بخيط ثم يرسلها مع الآخرين في قدر يشتركون فيه ليس حباً في المشاركة والصحبة وإنما اقتصاداً في الحطب والخل والثوم والتوابل. ثم يسحب كل منهم لحمته بالخيط الذي علمه ثم يقتسمون المرق. وأخيراً، يجمعون الخيوط معاً ويحفظونها بعد أن تكون قد تشربت بالدسم والتوابل ليعيدوا استعمالها في مرة قادمة وهي مشربة بذاك. وكلها اشتراكية من نوع اشتراكية الملالي في إيران.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة