متى يدرك العرب أهمية «الإنترنت» ووسائلها في مناهج التعليم؟

متى يدرك العرب أهمية «الإنترنت» ووسائلها في مناهج التعليم؟

الثلاثاء - 28 جمادى الآخرة 1440 هـ - 05 مارس 2019 مـ رقم العدد [14707]
د. يوسف بن طراد السعدون
* عضو مجلس الشورى السعودي
ينمو عدد مستخدمي شبكة الإنترنت في العالم، بمعدل يزيد على 11 مستخدماً جديداً كل ثانية، أو بالمتوسط أكثر من مليون مستخدم جديد كل يوم، وفقاً لما ورد في التقرير الرقمي العالمي «Global Digital 2019» الذي نشرته مؤسسة «We Are Social and Hootsuite’s».
وهناك ما يقارب 3.5 مليار فرد حول العالم يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، يمضون فيها ما يقارب 6.5 ساعة من وقتهم يومياً. وأكد هذه البيانات التقرير العاشر للاتحاد الدولي للاتصالات عن قياسات المجتمع المعلوماتي الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2018 «The 10th edition of Measuring the Information Society Report». حيث قدر الاتحاد عدد مستخدمي الإنترنت في العالم بما يقارب 4 مليارات فرد، يشكلون ما نسبته 51.2 في المائة من إجمالي سكان العالم.
ويترسخ هذا النمو المتزايد في استخدامات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في كل مناحي الحياة، وبقوة هائلة، على الرغم من الجدل الكبير الدائر بخصوص المخاوف المتعددة المتصلة بقضايا الخصوصيات، وانتشار الأخبار الكاذبة المغرضة والقرصنة والإرهاب والفساد الأخلاقي وغيرها من الجوانب السلبية. فاستخدامات الإنترنت والتواصل الاجتماعي فرضت نفسها وتجاوزت مدى حدود قدرة أو سيطرة الأسرة أو الدولة على التحكم فيها. وأمام هذا الوضع، أدركت بعض الدول أنه من الحكمة، لحماية مجتمعاتها وثرواتها الوطنية، أن تتعامل مع هذا الأمر كواقع ثابت لا فرار منه، وتسعى كأفضل خيار متاح لديها لبلورة سياسات تهدف إلى بناء مجتمع قادر على إدراك معاني الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ومعرفة محاسنها ومخاطرها.
وفي سبيل تحقيق ذلك الهدف، أدرجت بعض الدول موضوع سلامة استخدامات الإنترنت والتحذير من المخاطر المحيطة بوسائل التواصل الاجتماعي ضمن مناهجها التعليمية العامة. ومن تلك الدول بريطانيا، التي قدر تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات أن ما يقارب 94.62 في المائة من سكانها يستخدمون الإنترنت. وأشار الأستاذ عثمان ميرغني في مقاله «وسائل التواصل الاجتماعي في مناهج التعليم» المنشور في جريدة «الشرق الأوسط» يوم الخميس 28 فبراير (شباط) 2019 إلى ذلك. حيث قال إن «بريطانيا أعلنت هذا الأسبوع أنها ستدخل تعديلات في مناهج التعليم لكي يتلقى الأطفال من سن الرابعة دروساً عن السلامة في الإنترنت، وعن الحذر المطلوب في وسائل التواصل الاجتماعي. وهذه التغييرات في المناهج لن تكون مقتصرة على الأطفال، بل ستشمل كذلك المراهقين، وستدرس لكل المراحل حتى نهاية التعليم المدرسي قبل الانتقال إلى المرحلة الجامعية، وأن تعليم كل هذه الأشياء سيبدأ من سن مبكرة في بريطانيا لكي يعرف الأطفال كيفية الاهتمام بأنفسهم، ومواجهة تحديات الفضاء الإنترنتي والأمن والسلامة». وأفاد الأستاذ ميرغني أيضاً بأن «الفضاء الإنترنتي عالم معقد يجمع الصالح والطالح، والنافع والضار، ويصادف فيه المرء كثيراً من الغرباء، وكماً هائلاً من المعلومات والفيديوهات التي تؤثر بدرجات متفاوتة في الطرف المتلقي، وبشكل كبير جداً في الأطفال والمراهقين الذين ما زالت أفكارهم وشخصياتهم تتشكل. فما يشاهده قطاع كبير من هؤلاء يؤثر في سلوكياتهم، وفي أكلهم وشربهم، وماذا يلبسون وكيف يتحدثون. وفي هذا العالم المتشعب يوجد كذلك من يتربَّص بالأطفال والشباب لأغراض غير سوية، تتراوح من التحرش إلى الاحتيال والتجنيد لمنظمات إجرامية أو حركات إرهابية».
ولم أسمع عن تحرك مشابه في عالمنا العربي، على الرغم من أن استخدامات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في كثير من دوله تقارب، إذا ما كانت تزيد لدى بعضها، المعدلات المرصودة في بريطانيا. فتقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات، تشير إلى أن نسبة الأفراد الذين يستخدمون الإنترنت من إجمالي عدد السكان بلغت 24.4 في المائة بأفريقيا، و47 في المائة بآسيا والمحيط الهادي، و54.7 في المائة بالعالم العربي، و79.6 في المائة بأوروبا، و69.6 في المائة بالأميركيتين. وكانت النسبة في بعض الدول الخليجية كبيرة جداً، فمثلاً: السعودية 82.12 في المائة، والإمارات 94.82 في المائة، والبحرين 95.88 في المائة، والكويت 98 في المائة. كما أوضحت التقديرات أن بعض الدول العربية أتت ضمن قائمة أعلى 20 دولة بالعالم فيما يتعلق بالوقت الذي يمضيه مواطنوها يومياً في وسائل التواصل الاجتماعي. حيث نالت مصر المرتبة 10 بمعدل 3.14 ساعة، والإمارات المرتبة 11 بمعدل 2.59 ساعة، والسعودية المرتبة 13 بمعدل 2.50 ساعة، والمغرب المرتبة 17 بمعدل 2.33 ساعة.
وأمام هذه الحقائق، والمخاطر المختلفة المترتبة على الاستخدام الواسع للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، لا بد أن يدرك عالمنا العربي سريعاً أهمية ألا تكون سياساته في هذا الشأن قاصرة على الجانب العلاجي فقط، بل أيضاً عليه الاهتمام بالجانب الوقائي. وبالتالي من الضرورة أن تسعى الدول العربية إلى التالي:
1. تطوير مناهجها التعليمية بحيث تضمن تفعيل الإيجابيات وتعطيل السلبيات لانتشار استخدامات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. وذلك من خلال تقديم مواد دراسية في المراحل التعليمية المختلفة المبكرة لتعليم الطرق الصحيحة والآمنة لاستخداماتها، وتوعية الطلبة والطالبات على الممارسات الخبيثة التي تمارسها التنظيمات المتطرفة أو المجموعات ذات الانحرافات الأخلاقية والدينية. ولتحقيق هذا الهدف، فمن الضرورة البدء سريعاً في بلورة الخطط والبرامج العملية اللازمة لإعداد المقررات الدراسية لتلك المواد، وتهيئة العدد الكافي من الأساتذة القادرين على تدريسها.
2. بلورة وإقرار أدلة وتعليمات ولوائح تنظم عملية وإجراءات عرض المعلومات والبيانات والمذكرات والمراجع الدراسية، من الأساتذة للطلبة على شبكة الإنترنت. وامتلاك وزارات التعليم للقدرات والمهارات الكافية للمتابعة المستمرة، ليتسنى لها مطابقة تماشي ما يقدم للطلبة مع المناهج الدراسية المقررة ضماناً للمستوى التعليمي المنشود.
3. بلورة الإجراءات والقوانين ولوائح السلوك المنظمة لاستخدامات وسائل التواصل الاجتماعي في العملية التعليمية والأنشطة الطلابية بالمؤسسات التعليمية المختلفة، حيث أصبح شائعاً حالياً استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مثل تشكيل مجموعات «واتساب» فيما بين الطلبة في مادة دراسية معينة، أو أحد الأنشطة الطلابية تيسيراً لتواصلهم وتبادل الآراء والمعلومات. وغياب التنظيم المتكامل لهذا الأمر، قد يستغله الأشرار والمتربصون باستقرار المجتمعات العربية، من خلال اختراقهم لتلك المجموعات الطلابية والوجود بها، سعياً لاستقطاب هؤلاء الطلبة وتجنيدهم لترويج سياساتهم التي قد تخالف مصالح الوطن وتحرض على نبذ قيمه. والشواهد على ذلك كثيرة ومستمرة، مع شديد الأسف.
ختاماً، يقول المثل الشعبي: «ما تقدر ترد السيل بعباتك». وعليه فالأفضل أن يؤسس الإنسان الحكيم ما يكفي من السدود القوية، ليحقق الفائدة المرجوة من مياه ذلك السيل ويدرأ مخاطره.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة