اللعبة النووية بين العملاقين

اللعبة النووية بين العملاقين

الأحد - 26 جمادى الآخرة 1440 هـ - 03 مارس 2019 مـ رقم العدد [14705]

ناقشت الأسبوع الماضي نظرية اللعبة النووية مع فيبين نارانغ، أستاذ العلوم السياسية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومؤلف كتاب «الاستراتيجية النووية في العصر الحديث». وما إذا كان بيننا ثمة اتفاق على أمر واحد، فهو أن الحرب النووية ليست لعبة. يشرح نارانغ قائلا: «القضية كلها تتعلق في حقيقة الأمر بمنطق استراتيجي، كيف يتصرف خصمك بناءً على تحركاتك وكيف تكون ردة فعلك تجاه ردود فعلهم على تحركاتك».
الرئيس دونالد ترمب التقى كيم جونغ أون في فيتنام مؤخراً . وكما توقعت لم أشهد منطقاً استراتيجياً كثيراً عندما جلس الرئيس الذي وصف نفسه بأنه «أفضل مفاوض في العالم» مع زعيم قمعي لدولة بوليسية جائعة. كما أنني لا أعتبر كوريا الشمالية تهديداً نووياً حقيقياً للولايات المتحدة أو حلفائها. قد يكون كيم مثيراً، لكنه لا يبدو من ذلك النوع الانتحاري.
المشكلات الحقيقية تنبع من أن هناك قوتين عسكريتين كبيرتين، الصين وروسيا. الأولى لا يستهان بها، لكن من غير المرجح (على الأقل في الوقت الأقل) أن تشكل أدنى تهديد عسكري. روسيا هي البديل. كما رأينا في أوكرانيا، يحب فلاديمير بوتين شن الحرب بوسائل أخرى مثل الدعاية وزعزعة الاستقرار السياسي وتسليح الجماعات الانفصالية ليعطي نفسه ورقة التين لسياسة الإنكار. بوتين ليس مجنوناً، لكنه يحلم بإعادة الاتحاد السوفياتي الضخم، بل بالأحرى إلى الإمبراطورية الأورو-الآسيوية التي سعى إليها القياصرة لكنهم لم يحققوها مطلقاً.
بدأنا مناقشتنا بكوريا الشمالية ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ. لذا دعونا ننتقل إلى أوروبا والانسحاب الأميركي من معاهدة نشر الصواريخ النووية متوسطة المدى. هل كان هذا خطأ، بدلاً من محاولة إصلاحها؟
من ناحيته قال نارانغ «إن روسيا تنتهك المعاهدة منذ ما لا يقل عن خمس سنوات. لكننا رددنا أولاً على ذلك - من خلال التهديد بالانسحاب الأحادي الفوري بدلاً من استشارة الحلفاء وصياغة جبهة موحدة ضد روسيا. ربما لم يكن ذلك التصرف الأمثل من حيث إدارة التحالف ومشاركة حلف الناتو. لا أعتقد أنه كان من الأفضل أن ننتهك نحن المعاهدة، من خلال التهديد بتطوير ونشر أنظمة إطلاق أرضية متوسطة المدى التي انتهكت المعاهدة، أو أن نقول: حسناً، هذه المعاهدة تتداعى لأن الجانب الآخر انتهكها ومن ثم فإن انسحابنا منها قانوني. الحقيقة هي أن الولايات المتحدة لا تحتاج فعليا أنظمة إطلاق أرضية متوسطة المدى في أوروبا لردع روسيا. فقد نجحنا في شرق آسيا بدونها. لدينا صواريخ تطلق من الجو والبحر. قد ترغب في منح نفسك خيار نظام إطلاق أرضي، ولكن من المحتمل أن تكون عرضة للخطر. فقد تطلب نشر الأنظمة في غوام مثلاً تطوير أنظمة إطلاق أرضية جديدة طويلة المدى. ومن الواضح أنك لا تستطيع نشرها في تايوان دون إثارة رد فعل قوي من الصين. لذا فإن خياراتك الأرضية في شرق آسيا محدودة.
وبسؤال زميلي نارانغ ما إذا كانت هناك فرصة للتوصل إلى اتفاقية جديدة بشأن الصواريخ متوسطة المدى خلال محادثات تجديد معاهدة «ستارت» الجديدة قبل انتهاء صلاحيتها، قال الرجل إنه لا يعنيه كثيراً التوصل إلى اتفاقية جديدة لنشر الصواريخ النووية متوسطة المدى، لكنه يهتم بشدة للتوصل إلى معاهدة «ستارت» جديدة. فهي تصب في صالح الأمن الأميركي والأمن العالمي. وقال «يساروني القلق بشأن ربط تمديد معاهدة (ستارت) الجديدة باتفاقية نشر الصواريخ النووية متوسطة المدى، فقد يرفض الروسي هذا المقترح، أن أنظمة الصواريخ النووية متوسطة المدى لا تمثل قيمة كبيرة بالنسبة لهم كاستراتيجية أوروبية. لذا، فبالنظر إلى الانتهاكات الروسية وعدم رغبتهم في الامتثال، ينبغي أن نتوقف عند هذه النقطة من محاولة للربط بين القضيتين كي لا تدمر روسيا كل شيء. معاهدة (ستارت) الجديدة هي تلك المهمة».
في الأسبوع الماضي أعطيت وصفاً جيداً للتفكير الاستراتيجي لكيم جونغ أون. فماذا عن بوتين؟
جميع الأنظمة التي تطورها روسيا وتنشرها تشكل تهديداً حقيقياً لأوروبا. هناك مخاوف معقولة من أن تكون شهية بوتين أكثر توسعية من شبه جزيرة القرم وأوكرانيا. فقد تتسع شهيته لشمل السكان الناطقين بالروسية في دول البلطيق. تم تصميم الكثير من هذه الأنظمة لدعم الإجراءات العسكرية المحتملة ضد تلك الدول. روسيا تعتقد أنها في موقف قوة، وتستغل الانقسامات الغربية ضمن التحالف وداخل أوروبا نفسها، لمتابعة سياسية أهدافها.
من المنظور النووي للولايات المتحدة، أكثر ما كان يثير قلقي، على سبيل المثال، هو أن مراجعة إدارة ترمب للوضع النووي تحاول البحث عن حلول تقنية لمشكلة سياسية. ما نحتاجه هو استراتيجية سياسية أفضل، وأعتقد أن هذا يشمل امتلاك سلاح ردع تقليدي أقوى وإدارة تحالف متماسك أقوى. الأسلحة النووية لن تدخل حيز التفكير الروسي إلا في حال خسارتها الحرب التقليدية. لكن القضية الأوسع هي كيف تصل إلى هذه المرحلة في المقام الأول، ولن يتم حلها ببساطة عن طريق تطوير سلاح نووي جديد محدود النطاق.
وحسب هارشاو فإن «التصعيد لمنع التصعيد» هو الاستراتيجية المفترضة لروسيا، أي استخدام الأسلحة النووية ذات النطاق المحدود لكسب المزيد من الوقت في الحرب تقليدية.
وبالنسبة لنارانغ فقال «أسميها التصعيد للفوز، أو التصعيد من أجل البقاء. إذا كنت في طريقك لخسارة حرب تقليدية وقوات حلف شمال الأطلسي تهدد بدفعك إلى الداخل الروسي، أعتقد أن بوتين سيقول: (حسنا، الآن أنا بحاجة إلى استخدام الأسلحة النووية ضد قوات حلف شمال الاطلسي). أنا لا أعتقد ذلك سيكون أول خطوة له. لن تخاطر روسيا بحرب نووية استراتيجية ما لم يتم تهديد وطنها. العالم سيتدخل لوقت استخدام السلاح النووي مجدداً. الأهم من ذلك هو الإشارة إلى الروس بأن (الناتو) لا ينوي غزو روسيا، لكننا لن نقف مكتوفي الأيدي وأنتم تحاولون ضم دول مستقلة في الأراضي الروسية».
سأل هارشاو: هل تعتقد أن بوتين سيصدق وعود حلف الناتو؟
أعتقد الآن أن بوتين يرى الانقسام في أوروبا. انه يشم الدم في الماء. لقد تداعى تماسك التحالف، وهذه هي المشكلة الحقيقية في ردع روسيا. إذا كان يرى الانقسامات في الحلف، فمعنى ذلك أن هناك شكوكاً تجاه مسارعة الولايات المتحدة للدفاع عن دول أوروبا الشرقية، وهذا سيشجعه للتقدم.
قال هارشاو: هذا ينطبق على قول ترمب إن الأميركيين لن يموتوا من أجل الجبل الأسود بعد انضمامها إلى حلف الناتو.
ورد نارانغ: بالضبط. هذه مشكلة حقيقية مع الردع الموسع. إن جعل الردع الموسع ذا مصداقية أمر صعب للغاية.
سألت: هل الترسانة النووية البريطانية والفرنسية مفيدة بأي شكل من الأشكال، أم أنها مجرد رمزية؟ هل من المحتمل أن تشكل خطراً؟
أجاب نارانغ: لا أعتقد أنها خطيرة. أنا أحب البريطانيين والفرنسيين! البريطانيون والولايات المتحدة لديهم تطابق ضئيل للغاية بشأن وضع القوة النووية الخاصة بهم. الفرنسيون مستقلون تماماً. لم ينسقوا الدوريات مع الولايات المتحدة كما كانت تفعل المملكة المتحدة، وتقوم بإنتاج جميع قدراتها محلياً. يحب الفرنسيون أسلحتهم النووية. إنها نقطة فخرهم الوطني.
إذن هل تعتقد أن الحلفاء، لا الأوروبيين فقط، يشعرون بأن تراجع أميركا عن العالم هو مجرد مرحلة لترمب، أم أنهم يعتقدون أنها تمثل نقطة تحول للإدارات المستقبلية أيضاً؟
أجاب نارانغ: نمر بدورات كهذه. الولايات المتحدة خلال انسحاب إدارة جورج دبليو بوش من معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية، جاءت حرب العراق. كان هناك الكثير من التهديدات لسلامة التحالف عبر الأطلسي. وربما يكون من المنصف القول إن ما فعله ترمب شيء لم يعهده الأوروبيون منذ فترة طويلة.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة