النفط الصخري ليس مجرد براميل إضافية

النفط الصخري ليس مجرد براميل إضافية

السبت - 24 جمادى الآخرة 1440 هـ - 02 مارس 2019 مـ رقم العدد [14704]
عندما بدأت شركة النفط الأنجلو فارسية («بريتيش بتروليوم» لاحقاً) في إنتاج النفط من حقول إيران، مطلع القرن الماضي، بدأت السياسة في الشرق الأوسط تتغير، وأصبحت المنطقة مجالاً للتنافس بين القوى العظمى فيما بعد بسبب الأهمية التي اكتسبها النفط في توليد الطاقة للأسطول البريطاني، الذي أصبح القوة البحرية الأولى في المنطقة.
لم يكن بإمكان أي أحد في ذلك الزمان أن يتخيل شكل العالم بعد خمسين عاماً من بداية الإنتاج في إيران. لقد اكتشفت الشركات الدولية النفط في كثير من الدول المجاورة، وأدى ذلك إلى قيام اقتصادات كبيرة في الخليج العربي، وتغيّر موازين القوى الدولية في المنطقة.
ونحن اليوم نقف على أعتاب ثورة نفطية جديدة في الولايات المتحدة ظهرت بفضل التطور في إنتاج النفط والغاز الصخري، ولا نعلم ماذا سيكون عليه الحال مستقبلاً مع هذه الثورة النفطية، التي قد تمتد في المستقبل إلى أماكن مثل الصين وروسيا، رغم أن هذا الأمر لا يبدو معقولاً اليوم بسبب صعوبة الجيولوجيا في الصين والظروف المناخية القارسة في روسيا، التي تحتوي على مصادر نفط صخري قابلة للاستخراج أعلى من الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من أننا لا نستطيع قراءة المستقبل قراءة واضحة، فإننا نلاحظ التغير نحو الشرق الأوسط ونحو الدول النفطية في قرارات الإدارة الأميركية بدءاً من عهد الرئيس السابق باراك أوباما إلى عهد الرئيس الحالي دونالد ترمب. لقد أعطى النفط الصخري الإدارات الأميركية القدرة على الاستقلالية أكثر، حيث لم تعد الولايات المتحدة رهينة الاستيراد من الخارج كما كانت سابقاً.
والاستقلالية قد تزيد مع تزايد الإنتاج، حيث تتوقع شركة «ريستاد» أن الولايات المتحدة ستضيف مليون برميل يومياً من النفط الخام في صورة إنتاج جديد كل عام حتى نهاية العقد المقبل، أي خلال الأحد عشر عاماً المقبلة.
هذا الإنتاج الكبير لا يعني نهاية مشكلات العالم النفطية، إذ إن العالم يحتاج لزيادة إنتاجه سنوياً بنحو 5 ملايين برميل يومياً فقط لتعويض مستوى التراجع السنوي في إنتاج الحقول الكبيرة حول العالم، لكنّ كل برميل نفطي جديد في الولايات المتحدة يفتح آفاقاً سياسية جديدة لهم، وما نراه اليوم من تحركات لفرض قانون «نوبك» على دول منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، الذي سيعطي أميركا القدرة على ملاحقة الدول قانونياً، دليل واضح على أن النفط الصخري جعل الساسة الأميركيين يحسون بالقدرة على التحكم في هذه الدول أكثر من أي وقت مضى.
وعند استعراض ثورة النفط الصخري بعد مرور أقل من عقد على انطلاقها، يمكننا أن نرى أن هناك العديد من التغيرات الفنية والمالية التي صاحبتها. صناعة النفط الصخري اليوم أكثر فاعلية وكفاءة مالية من قبل، والدليل على ذلك أنها لم تعد تعتمد على تمويل المصارف كما كانت في بدايتها.
وبحسب تقرير لـ«وول ستريت جورنال»، فإن شركات النفط الصخري جمعت 22 مليار دولار في صورة ملكية وديون (إصدار أسهم أو سندات أو اقتراض) في عام 2018، وهذا نصف الرقم الذي تم جمعه في 2016، وثلث عام 2012. وهناك تخوُّف من أن يؤدي هذا الأمر إلى تباطؤ في القدرات الإنتاجية لهذه الشركات، ولكن الأرقام تظهر أن إنتاج أميركا ازداد في الربع الأخير من العام الماضي، ووصل إلى 11.8 مليون برميل يومياً في ديسمبر (كانون الأول)، و11.9 في نوفمبر (تشرين الثاني).
والربحية بدأت تتحسن في بعض مناطق النفط الصخري، خصوصاً منطقة حوض البريميان، إلا أن هذا لا يعني أن الوضع خارج البريميان «وردي» كما هو عليه هناك. وبحسب تصريحات رئيس شركة «شيفرون» الأخيرة للمحللين والمساهمين، فإنه وعد بأن تصبح التدفقات النقدية للشركة في البريميان إيجابية في 2020. و«شيفرون» هي مثال على الشركات النفطية الكبرى، التي أصبحت الآن لاعباً مهماً في إنتاج النفط الصخري، بعد أن كانت الشركات الصغيرة والمتوسطة هي التي تتحكم بمنظومة الإنتاج هناك.
لكن يجب علينا تذكر أمر مهم جداً، وهو أن مصادر النفط الصخري القابلة للاستخراج ليست مستدامة مثل المصادر التقليدية، وسقف الإنتاج تحدده الجيولوجيا، وليس التقنية، كما هو الحال عليه في الحقول التقليدية، التي تحددها التقنية وليس الجيولوجيا.
وفيما تصبح صناعة النفط الصخري أكثر مرونة وتحملاً للأزمات، فإن هذا يجعل أميركا متصدرة عالمياً، ليس في النفط ولكن في استقلالية الطاقة، وهو الهدف الذي كانت تسعى له جميع الإدارات الحكومية السابقة ولم يتحقق سوى في السنوات الخمس الأخيرة على يد أخطاء ارتكبتها «أوبك»، التي كانت وما زالت تفتقر إلى النظرة المستقبلية الاستراتيجية العميقة التي لدى مؤسسات وحكومات ومنظمات الاقتصادات المتقدمة.
ولنعد الآن إلى التخيل كيف سيكون مستقبل المنطقة مع كل هذه التطورات في مجال إنتاج الطاقة، التي توازيها تطورات لا تقل أهمية في إنتاج الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وغيرها من البدائل التي تسعى لتقويض هيمنة النفط... وليفكر كل مَن يقرأ في استراتيجية جديدة لمستقبلنا.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة