الغزالة والكلب السلوقي

الغزالة والكلب السلوقي

الثلاثاء - 30 جمادى الأولى 1440 هـ - 05 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14679]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
الكلب السلوقي هو ذلك الكلب النحيف والخفيف والمفرط في السرعة. ولهذا اعتمد الصيادون عليه في عمليات صيدهم. وهكذا قالت الأسطورة إن مثل هذا الكلب السلوقي انطلق يطارد غزالة، وفي جريهما السريع هذا التفتت الغزالة وقالت له وهي تجري أمامه: عد وارجع ولا تتعب نفسك فإنك لن تلحق بي، وقال لها: ومن أدراك بذلك؟ قالت: إنك لن تلحق بي لأنك تركض لسيدك وأنا أركض لنفسي وللنجاة بحياتي. تفسر الأسطورة سبباً من أسباب عدم الكفاءة في مكاتبنا. فالموظف فيها يشعر بأنه إنما يكدح من أجل المدير أو المسؤول الكبير وليس من أجل نفسه أو من أجل وطنه أو تعاليم ديانته.
تحققت تلك الأسطورة قبل سنوات عندما عاد بطل الركض الكندي وأحد النجوم الأولمبيين، بن جونسون، من ليبيا عندما كان يدرب سيف الإسلام، ابن القذافي على الركض. مر في طريقه بروما فإذا بفتاة صبية تنشل منه ما جاء به من فلوس ليبيا. ركض وراءها هذا البطل العالمي في الركض، بيد أنه لم يستطع أن يلحق بها وهي تجري في شارع دولتشافيتا الشهير. أمر عجيب! أليس كذلك؟ هذا البطل العالمي في الركض وأحد النجوم الأولمبيين يعجز عن اللحاق بصبية صغيرة! ولكن الأسطورة القديمة تفسر لنا ذلك. فهذه الصبية الفقيرة كانت تركض من أجل نفسها ولقمة خبز أسرتها. وهذا العدّاء العالمي كان يركض من أجل فلوس كسبها بالبلاش. كان هو السلوقي وكانت هي الغزالة!
ولكن هناك حكاية جرت في اتجاه معاكس لما جرى لبن جونسون. حصلت لصديقي فرانسيس قبل سنوات. كان عائداً إلى البيت وهو يحمل شنطته محملة ببضع مئات من الباوندات تسلمها تواً من بنك في الشارع الشهير، بوند ستريت في لندن. هجم عليه لص شاب خطف الشنطة من بين يديه وهرب بها راكضاً. ركض وراءه صديقي المنكوب. ولم يملك غير أن يجري وراء ذلك اللص الشاب. ولم يكل حتى لحق باللص بعد مطاردة طويلة وقبض عليه واستطاع أن يستعيد الشنطة منه. قلت لصاحبي: اسمع يا أبو ألبير، تريد أن تقول لي إنك استطعت أن تسابق هذا اللص الشاب وتلحق به، وأنت رجل على أبواب الشيخوخة وتشكو من كبدك ومعدتك؟ لا أصدق ذلك.
قال: بل صدق. ولكنني أقول لك إنني أيضاً لم أتوقع أن ألحق بذلك الشاب وأقبض عليه، وبالفعل سلمت أمري لله. ولكنني بعد لحظتين أو ثلاث من الوجوم والحيرة تذكرت شيئاً أعطاني قوة خارقة جعلتني أنطلق وراءه كالمجنون. ما حدث، هو أنني تذكرت زوجتي أم ألبير في البيت. أدركت أنه ستكون هناك خناقة لا أول لها ولا آخر. وأنا خائف من هذه العاقبة. أعطاني الله فجأة قوة عجيبة على الركض فلحقت بالحرامي وأمسكت به. وكان الفضل كله لأم ألبير وخوفي من لسانها وربما من يدها أيضاً. ستتهمني وتقول إنني أكذب عليها فقد أنفقت فلوسي في الشنطة على خليلة لي واختلقت حكاية اللص!
وهذه هي الحكمة، فقد كان اللص يركض لنفسه في حين أن صديقي فرانسيس كان يركض لزوجته وخوفه منها. وقوة المرأة أضبط وأدهى من النفس. وهي القوة المهدورة في عالمنا. قوة المرأة التي ما زلنا نتجاهلها ونحاول أن نقمعها!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة