«قِصَّتي»

«قِصَّتي»

الثلاثاء - 9 جمادى الأولى 1440 هـ - 15 يناير 2019 مـ رقم العدد [14658]
محمّد النغيمش
كاتب كويتي

درسنا في جامعة «هارفارد»، على يد أحد كبار علماء فنون التأثير في الآخرين، البروفسور غاري أوون، أن تأثير القصة أقوى بكثير مما يتخيل المرء. وتدعم ذلك دراسات رصينة. والأعجب أن القصة، وإن لم تكن موضوعية، أي يغلب عليها السرد الوجداني، إلا أنها تُسهم في إقناع المستمع، ومن ثمة دفعه، أحياناً، لاتخاذ قرارات في هذا الاتجاه.
ولذا كانت القصة تقف وراء كل صفقة، وإلهام، وإعجاب، وإقناع، وإمتاع. ولو توغلنا في ذاكرة البشر لعثرنا على جواهر مكنونة من درر ما تناهى إلى أسماعهم أو تجاربهم الذاتية. ذلك أن القصة ذات المغزى ترسخ في وجدان المرء وعقله. ناهيك إذا كانت قصة حقيقية. ولذا ما زلت أتذكر جيداً قصة سمعتها في صغري، في الكويت، عن الراحل الكبير الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حينما سُئل عن سبب حفر خور دبي إلى أعماق هائلة لم تكن تحتاجها الإمارة آنذاك لصغر حجم السفن. ثم قال كلمة شهيرة بما معناه أنه يبني للمستقبل.
من هنا سعدت حينما قرأت عن صدور كتاب «قصتي»، (أمس الاثنين) للشيخ محمد بن راشد الذي سرد فيه 50 قصة. وإن كان هناك من يستحق أن ينصت له فهو صاحب هذه التجربة الثرية في الإدارة. قال لنا إنه حاول أن ينقذ العراق والمنطقة من ويلات الحروب بمحاولة استضافة الرئيس العراقي صدام حسين في دبي، لكن الأخير رفض ثم لقي حتفه في القصة المشهورة. وفي قصة أخرى طلب العقيد الليبي الراحل معمر القذافي من الشيخ محمد معاونته في تحويل طرابلس إلى دبي ثانية، لكنه قال إن «القذافي لم يكن يريد التغيير، كان يتمنى التغيير». وشتان بين «التمني» وبين الإرادة والعزيمة. وليته فعلها فلربما أصبحت ليبيا أيقونة شمال أفريقيا. ووصف لنا، كونه وزير دفاع سابقاً وسياسياً مخضرماً، تداعيات الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990، فقال إنه شكّل «نقطة تحول غيّرت المنطقة بأسرها».
الفكرة الأساسية من الحرص على الالتقاء بالقادة الملهمين تكمن في الإصغاء إلى قصصهم وتحدياتهم في معترك الحياة، فما بالك حينما يضع أحدهم بين يديك 50 قصة لتأمل جانب من رحلته أو على أقل تقدير نظرته للأحداث المحيطة. وفي العالم الغربي حينما يكتب القادة وأصحاب التجارب الثرية كتاباً يتهافت الناس لاقتنائه بحثاً عن المعلومة والمتعة والفائدة.
ولو دون كل قيادي عربي قصة واحدة أسبوعياً من حصيلة تجارب تستحق النشر لحصد في عام واحد نحو 52 قصة. وليس هناك أقوى من القصص أياً كان حجمها. وإذا كانت القصة أقصر مسافة بين متحاورين، فهي كذلك بين الكاتب والقارئ.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو