أميركا و«أوراقها الفيدرالية»

أميركا و«أوراقها الفيدرالية»

الثلاثاء - 2 جمادى الأولى 1440 هـ - 08 يناير 2019 مـ رقم العدد [14651]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر
هناك اعتقاد جدي ومتزايد أن معركة خلافة دونالد ترمب قد انطلقت. أعلنت السيناتور إليزابيث وارن، مؤخراً ترشحها للانتخابات الرئاسية الأميركية، فاتحة المجال لسباق من الأسماء المهمة والمؤثرة جداً. ولن يكون السباق الرئاسي مغرياً بالنسبة للساسة من الحزب الديمقراطي، ولكنه مغرٍ أيضاً لرجال الأعمال من الحزب نفسه.
دونالد ترمب الذي هزم التوقعات كافة، وخالف الأعراف السياسية، فاز بالمنصب بعد أن صرف مبالغ طائلة من حسابه الشخصي، معتمداً على ثروته في تمويل حملته الانتخابية في سباق رئاسي كان الأغلى في التاريخ. والآن هناك رجال أعمال بجيوب عميقة للغاية يستعدون للدخول إلى سباق الرئاسة، لعل أهمهم رجل الأعمال الشهير مايكل بلومبيرغ، الذي رصد مائة مليون دولار لحملة الرئاسة، وأعلن استعداده للخروج من مؤسسته الإعلامية وبيعها، وهي المسألة التي تسببت باستقالة عدد كبير من المحررين الرئيسيين لمؤسسته الإعلامية. وبلومبيرغ معروف بتوجهاته الليبرالية على صعيد السياسات الاجتماعية والمحافظة على صعيد السياسات المالية. وهناك أيضاً رجل الأعمال المعروف توم ستاير، الذي يحضّر نفسه وفريقه للدخول في السباق الرئاسي بميزانية قياسية هو أيضاً. وهناك طبعاً الأسماء اللافتة التي يتم ترديدها كجو بايدن، نائب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وأوبرا وينفري، الإعلامية المؤثرة، وهيلاري كلينتون، وأكثر من عشرين اسماً آخر.
السباق سيكون شرساً مع قراءة متوقعة للسنتين المتبقيتين من فترة ترمب الأولى، والتي بحسب التقديرات ستكون مليئة بالاتهامات والتحقيقات والملاحقات القضائية، والكثير من التهم بدأت تتشكل وسط أدلة متزايدة عن وجود «مخالفات جسيمة» يستعد للإعلان عنها المحقق الفيدرالي روبرت مولر بعد أن يستكمل إجراءاته، وهو الذي يفسر «فرار» كبار الموظفين التنفيذيين المحترمين من إدارة ترمب باستقالاتهم المتتالية في مشهد صوره البعض كالفارين من السفينة التي تستعد للغرق.
وبحسب التكهنات يتوقع أن تكون الفترة المقبلة عصيبة جداً على إدارة الرئيس ترمب في مواجهة مجلس نواب ذي أغلبية ديمقراطية يسن لها الأنياب لتقليص طموحاته والتحقيق في تجاوزاته، وهذا سيعطل الرجل ويحد من إمكانية تحقيق طموحاته، وبالتالي سيكون الرهان عليه ضعيفاً جداً. وهناك أيضاً من يشتم رائحة الدم حتى في الحزب الجمهوري نفسه ويفكر في الترشح إذا ساءت أمور ترمب إلى حد اللاعودة، مثل السيناتور ميت رومني، وحاكم ولاية إنديانا السابق والمسيحي الأصولي المحافظ جون كاسيش، بل هناك إمكانية أن يرشح نائب ترمب الحالي مايكل بنس نفسه للمنصب، إذ لديه طموحات وأجندة محافظة ودينية يسعى لإنجازها.
ولكنّ المدافعين عن ترمب لديهم رأي آخر، فهم يقولون إنه أول رئيس غير تقليدي يصل للمنصب، والاقتصاد الأميركي يشهد صحوة غير مسبوقة، والدولار أقوى العملات، أسعار الطاقة مستقرة، والاستثمارات تتدفق إلى أميركا من كل صوب، والصين تحسب حساباً جديداً لأميركا، والاتحاد الأوروبي يدفع حصته التجارية، وكندا والمكسيك تعيدان توقيع اتفاق تجاري أكثر عدالة لأميركا. أيضاً الجنود الأميركيون لا يدخلون حروباً جديدة يتحملها دافع الضرائب ولا يعودون في توابيت جماعية محزنة، والبطالة في أدنى مستوياتها منذ أكثر من أربعة عقود، وبالتالي يستحق دونالد ترمب إعادة انتخابه.
لكن ما يحصل اليوم من «صراع قطبي» في أميركا بين أقصى اليمين وأقصى اليسار هو التحدي الأساسي الذي حذر منه الآباء المؤسسون للدستور الأميركي في كتابهم الشهير «الأوراق الفيدرالية»، الذي تطرق إلى وجهات النظر بين جون آدامز وتوماس جيفرسون وألكسندر هاميلتون، ووجهات نظرهم عن معالجة الحد من طغيان الناس والشعب، والحذر من الانجرار وراء الرغبات الشعبوية، ولقد كان خوفهم من طغيان القطيع أكثر من طغيان الحاكم، وعليه تم التأسيس لنظام انتخابي عكس النظام البرلماني البريطاني، وهذا هو الامتحان الحقيقي الذي سيتم مواجهته في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
هي انتخابات لاختبار الدستور الأميركي نفسه ورؤية الآباء المؤسسين له.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة