شاميكا رافي
كاتبة من خدمة «بلومبرغ»
TT

الاستفادة من الإجراءات الاقتصادية لدى الدول

قد تكون أسباب المشكلات في المناطق الريفية كثيرة ومتنوعة، ولا يمثل إسقاط القروض الضخمة الحل.
يبدي كثير من المزارعين قلقاً واهتماماً أكبر إزاء الرعاية الصحية من القروض الضخمة. واليوم، تشهد الهند موسم الانتخابات، وأصبح المال في حالة تدفق. وبدأت الحكومات في كثير من الولايات إسقاط قروض تقدر قيمتها بملايين الدولارات حصل عليها مزارعون فقراء، وذلك في محاولة لشراء ولائهم. وتدور الفكرة السائدة هنا ـ والتي تلقى قبولاً واسعاً من جانب سياسيين وصحافيين وفئات ديموغرافية ـ حول أن المزارعين يرزحون تحت ثقل ديونهم، وأن معدلات الانتحار بالمناطق الريفية تشهد ارتفاعاً خطيراً، في وقت تعدّ فيه الأسر الريفية في أمسّ الحاجة للمساعدة.
في المقابل، تخبرنا الأرقام قصة مختلفة تماماً. وبالنظر إلى التأثير الضار على انضباط الاعتمادات، ناهيك عن الفجوة التي ستخلقها قرارات الإسقاط تلك في ميزانيات الولايات، فإن الحكمة ربما تقتضي من السياسيين إعادة التفكير في خططهم.
ووفقاً للمكتب الوطني لسجلات الجرائم بالهند، فإن أعداد المزارعين الذين يقدمون على الانتحار في تراجع خلال السنوات الأخيرة. وقد سجلت أعداد حوادث انتحار خلال عام 2016 أقل من أي عام آخر خلال الأعوام الـ16 الماضية. في الواقع، عدد ربات المنازل في الهند اللائي يقدمن على الانتحار يبلغ ضعف عدد المزارعين.
علاوة على ذلك، لا تبدو ثمة صلة واضحة بين حوادث الانتحار في صفوف المزارعين والفقر. وتشير الأرقام إلى أن معدلات الانتحار أكبر داخل ولايتي ماهاراشترا وآندهرا براديش الثريتين نسبياً منها في بيهار وأوتار براديش الأشد فقراً. وإذا نظرنا إلى الوضع العام من زاوية الديْن ـ بمعنى النسبة المئوية التي تدين بها الأسر بأموال إلى البنوك أو جهات إقراض المال ـ فسنجد بالفعل أن المزارعين الأكثر فقراً يدينون بأموال أكبر، بجانب أنهم يتسمون بمعدل أكبر من الديون بالنسبة للأصول ويتحملون قروضاً رسمية وغير رسمية أكبر من الأسر الأكثر ثراءً.
إلا أنهم ليسوا أولئك الذين يقتلون أنفسهم. وحسب بيانات صادرة عن المكتب الوطني لعينات المسح، فإن ما يقرب من 90 في المائة من المزارعين الذين انتحروا في ماهاراشترا يمتلكون قيراطين أو أكثر من الأرض. و6 من بين كل 10 منتحرين امتلكوا أكثر من 4 قراريط.
وتدحض هذه الأرقام الصورة النمطية السائدة حول المزارعين الذين يعانون الفقر المدقع ويعملون بدأب لسداد أموال حصلوا عليها من مقرضي أموال جشعين ومعدومي الضمير؛ وهي صورة موجودة في كل مكان تقريباً بداية من فيلم «مذر إنديا» الشهير من إنتاج «بوليوود» عام 1957، حتى تقارير البنك المركزي الهندي. في الواقع، تمثل الهدف الأكبر من وراء غالبية الخطط الحكومية لتوفير اعتمادات مدعومة منذ خمسينات القرن الماضي، في توفير بدائل لهؤلاء المرابين. ومع هذا، فإن ولايات مثل بهار التي يحظى فيها المرابون بنفوذ أكبر، تضم عددا أقل من حالات الانتحار. وداخل ماهاراشترا التي تتسم بارتفاع معدلات الانتحار، فإن القروض الرسمية تشكل 87 في المائة من إجمالي الديون المستحقة؛ مما يعد أعلى بكثير من المتوسط الوطني البالغ 57 في المائة.
وبصورة عامة كذلك، يبلي المزارعون الهنود بلاءً أفضل كثيراً مما يعتقده كثيرون. ومن بين سبل تفحص مدى جودة مستوى حياة الأسر الريفية النظر إلى حجم ما تشتريه: فهي الآن تشكل 45 في المائة من قطاع السلع الاستهلاكية المتنامي بسرعة داخل الهند، ويعد هذا أمراً لافتاً بالنسبة للتباين الكبير في مستويات الدخول القابلة للصرف بين الأسر الحضرية والأخرى الريفية، ويشير هذا ضمناً إلى أن التطور الكبير في البنية التحتية الريفية وأدوات الاتصال والرقمنة، يترجم إلى طلب أكبر. وخلال الأعوام الثلاثة السابقة، ارتفعت المبيعات داخل المناطق الريفية بسرعة أكبر بكثير منها بالمناطق الحضرية من حيث الحجم والقيمة. واستقر نمو الاستهلاك في الوقت الراهن عند مستوى نشط بلغ 9.7 في المائة.
في الواقع ما يتعين على صناع السياسات إدراكه أولاً: أن الهند ليس لديها اقتصاد زراعي واحد. ومن الممكن دوماً العثور على أسر تعايش أوضاعاً بائسة بأي مكان، وربما توجد في مناطق شديدة الفقر أو ربما ولايات بعينها أو حتى بين المزارعين الأكثر ثراءً في مهرولي، قرب دلهي. ومن شأن إقرار برامج أكثر استهدافاً تناولُ المشكلة بفاعلية أكبر وبتكلفة أرخص من الإجراءات العامة لإسقاط القروض.
ثانياً: من الواضح أن القروض ليست المصدر الوحيد لتعاسة المزارعين. وبينما هناك ازدياد في ظهور الديون بوصفها سبباً وراء حوادث الانتحار منذ أن شرعت الحكومة في قياس هذا الأمر على نحو منفصل عام 2014، فإن أبرز أسباب الانتحار تاريخياً في الهند يبقى «مشكلات أسرية» و«المرض». واللافت أن السبب الأخير نادراً ما حظي باهتمام واضعي السياسات على امتداد العقود الماضية، الأمر الذي يلعب دوراً واضحاً في حجم التفاؤل أو الطمأنينة التي يشعر بها المزارعون.
وتتطلب كل مشكلة من هذه المشكلات وصفة علاج مختلفة. على سبيل المثال، مع تحسن الإنتاجية الزراعية والناتج وارتفاع مستوى الأمن الغذائي في الهند، فسيعاين المزارعون حتماً تراجعاً في الأسعار. ويتمثل السبيل الأكثر فاعلية والأقل تشوهاً لدعمهم في توجيه إعانات مباشرة لهم.
من ناحية أخرى، من المفترض أن «المهمة الوطنية للحماية الصحية» سترفع مستوى الرعاية الصحية بالمناطق الريفية. كما أن مد وصلات الغاز الطبيعي المسيل المجانية إلى منازل الأسر الفقيرة سيقلل بالتأكيد من أعباء تكاليف الطاقة على عاتقها، مع تحسين مستوى صحة الجهاز التنفسي لدى النساء (يعد استنشاق الدخان المتصاعد من النيران التي يجري الطهو فوقها سبباً رئيسياً للوفيات في كثير من أرجاء الهند).
الواضح أن إسقاط القروض ليس الحل المثالي بالصورة التي يجري الترويج لها سياسياً. وعلى من يرغبون حقاً في مد يد العون للمزارعين الهنود بذل مجهود أكبر في تحديد احتياجاتهم الحقيقية.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»