بريطانيا... ماذا بعد محاولة «الانقلاب» على ماي؟

بريطانيا... ماذا بعد محاولة «الانقلاب» على ماي؟

الخميس - 5 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 13 ديسمبر 2018 مـ رقم العدد [14625]
عندما حبست رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في السيارة التي نقلتها لمقابلة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أول من أمس، لأن باب السيارة عاند ولم يفتح لعدة ثوان، بدا المشهد مضحكاً، لكنه حافل بدلالات رمزية. فكل الأبواب تكاد توصد أمام ماي المحاصرة بأزمة ملف خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي (بريكست) التي دفعت بريطانيا نحو واحدة من أخطر مشكلاتها منذ الحرب العالمية الثانية.
في الوقت الذي كانت تطرق أبواب بعض القادة الأوروبيين أمس للحصول على أي تنازلات تنقذ بها اتفاقيتها التي توصلت لها مع الاتحاد الأوروبي بشأن ترتيبات «بريكست»، كان البرلمان البريطاني يغلي ضد ماي واتفاقيتها، بينما عدد من نواب حزبها يدفعون بخطابات لنزع الثقة عنها وإطاحتها من زعامة حزب المحافظين، في محاولة تعيد إلى الأذهان الانقلاب الذي قاد إلى الإطاحة بمارغريت ثاتشر قبل 28 عاماً.
من ناحية إجرائية فإن فرض إجراء تصويت على الثقة في زعامة حزب المحافظين، يتطلب تقديم 15 في المائة من نواب الحزب في البرلمان خطابات موقعة بسحب الثقة، وهو ما يعادل 48 نائباً من أصل 315 يشكلون مجموع النواب المحافظين في البرلمان الحالي. هذا الحاجز تم تخطيه أول من أمس وبناء على ذلك جرى التصويت على الثقة في قيادتها بين نواب حزبها في البرلمان مساء أمس في أجواء درامية تفاقم الأزمة التي تعيشها بريطانيا.
الواقع أنه بغض النظر عن النتيجة التي آل إليها تصويت أمس، فإن الأمر المؤكد أنه لن يغير حقيقة أن البلد في أزمة خطيرة تزداد سوءاً مع كل يوم يمر ويقترب فيه موعد الخروج من عضوية الاتحاد الأوروبي في 29 مارس (آذار) المقبل، من دون أن تتبلور رؤية واضحة واتفاق بين السياسيين حول كيفية هذا الخروج وترتيباته وتبعاته. ولكل من تابع ملف هذه الأزمة هناك ثلاث حقائق لا يمكن القفز عليها؛ الأولى أن انقسامات حزب المحافظين لن تزول حتى لو تم تغيير الزعامة، فهناك تيار متشدد لن يقبل بأي صفقة لا تحقق الخروج الكامل والقاطع من الاتحاد الأوروبي، يقابله تيار يرفض رفضاً باتاً خروجاً من دون اتفاق يضمن استمرار روابط قوية مع الاتحاد الأوروبي، أكبر كتلة تجارية في العالم، لضمان مصالح بريطانيا.
الحقيقة الثانية أن الانقسامات حول «بريكست» ليست داخل حزب المحافظين وحده، بل في البرلمان بأكمله، وفي الشارع البريطاني بمجمله. حزب العمال المعارض بقيادة جيريمي كوربين منقسم أيضاً حول الأمر، ولولا خلافات المحافظين لكانت أزمة حزب العمال حول «بريكست» أكثر وضوحاً. الحزب الوحدوي الديمقراطي الآيرلندي، حليف تيريزا ماي في البرلمان الذي لولا دعمه لن تتوفر أغلبية للمحافظين في البرلمان الحالي، يرفض خطة ماي المعروضة ولن يقبل بأي صيغة يرى أنها لا تحقق شرطين أساسيين؛ أولهما عدم وضع حدود ملموسة تعرقل حرية حركة البشر والبضائع بين آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا، والثاني عدم اتخاذ أي خطوات أو إجراءات تضعف روابط إقليم آيرلندا ببقية الاتحاد البريطاني. أما الحزب القومي الاسكوتلندي وحزب الليبراليين الديمقراطيين فإنهما يعارضان «بريكست» ويحبذان فكرة إجراء استفتاء ثان بعد أن باتت الرؤية أكثر وضوحاً أمام الشعب بشأن الخيارات المتاحة وتبعاتها.
الحقيقة الثالثة أن الاتفاق الذي توصلت إليه حكومة ماي مع الاتحاد الأوروبي، مرفوض من الغالبية في مجلس العموم، مما يعني موته سريرياً.
ما الخيارات الآن؟
أولاً، محاولة الحصول على تنازلات من القادة الأوروبيين الآخرين، وهو أمر صعب للغاية، لكنه ليس مستحيلاً في عالم السياسة المتقلب. المشكلة تبقى في أن الفسحة الزمنية لذلك تضيق بشدة، كما أن الاتحاد الأوروبي أعلن رفضه لإعادة فتح المفاوضات حول الصفقة، لكنه قد يوافق على تقديم تعهد مكتوب بشكل مستقل أو ضمن ورقة الترتيبات السياسية لطمأنة البرلمان البريطاني بشأن بند «الضمانة الاحترازية»، أو شبكة الأمان كما يسميه البعض، الذي يضمن إبقاء الحدود مفتوحة بين إقليم آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا حتى إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق.
ثانياً، طلب تمديد تاريخ الخروج (أو ما يشار إليه بالبند 50 الذي يسمح لبريطانيا أو أي عضو في الاتحاد الأوروبي بالخروج من عضويته وفقاً لترتيبات يتفق عليها). هذا التمديد يحتاج إلى موافقة أغلبية الأعضاء الآخرين في الاتحاد وهم 27 دولة، علماً بأن مسؤولي الاتحاد أعلنوا أنه لن تحدث موافقة على مثل هذا الطلب إلا إذا لمسوا أن التمديد سيؤدي إلى اتفاق مثمر ولن يكون مجرد إضاعة للوقت بسبب المماحكات البريطانية الداخلية.
ثالثاً، هناك خيار آخر يرتبط بالبند 50، هو أن تعلن بريطانيا النكوص عنه وتوقف بذلك الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو ما أكدت المحكمة الأوروبية في قرار هذا الأسبوع أن لندن تستطيع، وتملك حق اتخاذه. لكن بريطانيا ستواجه مشكلات لو تبين أنها تريد اتخاذ هذه الخطوة بشكل تكتيكي، خصوصاً بعدما أكدت المحكمة في قرارها أن النكوص عن البند 50 يجب أن يتم «بنية خالصة»، وهو ما يشير إلى أن بريطانيا لو أرادت إعادة تفعيل البند مرة أخرى فإنها قد تواجه بقضايا أمام المحكمة الأوروبية لمنعها من ذلك.
رابعاً، الدعوة لانتخابات عامة، وهو خيار غير مقبول لحزب المحافظين في الوقت الراهن بسبب الخوف من خسارة النتيجة وبالتالي فتح الطريق أمام حزب العمال المعارض للقفز على السلطة.
خامساً، القبول بخيار العودة إلى الشعب بعد أن فشل السياسيون في الاتفاق، وترتيب استفتاء جديد، إلا أن هذا الأمر سيتطلب الحصول على موافقة البرلمان عليه، وهي مسألة ممكنة على الرغم من الانقسامات الحاصلة، وإن كانت ستحتاج إلى تأييد حزب العمال لها، أو على الأقل تأييد عدد كبير من نوابه. الغريب أن ماي ترفض حتى الآن هذا الخيار على الرغم من أنه قد يكون في النهاية طوق النجاة الوحيد لها، في ظل الانقسامات في حزبها وفي البرلمان.
سادساً، الخروج من دون اتفاق، وهو ما يعرف بسيناريو حافة الهاوية أو الكارثة لأن عواقبه الاقتصادية كارثية بالفعل كما اعترفت بذلك الحكومة ذاتها.
حتى اللحظة لا يستطيع أحد أن يجزم بالمنحى الذي ستأخذه الأمور، وهو ما يزيد في عمق الأزمة التي جعلت بريطانيا مثل راكب في قطار منفلت يندفع بسرعة هائلة نحو مصير مجهول بينما المسؤولون عن توجيهه يتجادلون.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة