«البريكست» يدمر استراتيجية بريطانيا العالمية

«البريكست» يدمر استراتيجية بريطانيا العالمية

الثلاثاء - 2 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 11 ديسمبر 2018 مـ رقم العدد [14623]
هال براندز
كاتب من خدمة «بلومبيرغ»
مع الاستعداد لإجراء تصويت برلماني «حقيقي» وحاسم، الثلاثاء، يبدو أن لحظة الحقيقة، المتعلقة باتفاق «البريكست» الذي تفاوضت بخصوصه رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، قد حانت هذا الأسبوع (تقرر تأجيل التصويت في مجلس العموم - المحرر).
ومن الواضح أن الاتفاق سيخلف تداعيات كبرى على مستقبل المملكة المتحدة. ومع هذا، وبغض النظر عما إذا كان الاتفاق الذي أبرمته ماي سيجتاز التصويت أم لا، حملت الأحداث التي شهدها العامان الماضيان بالفعل مؤشرات توحي بحدوث صدع ضخم في العلاقات بين لندن وباقي دول العالم.
منذ الحرب العالمية الثانية، نجحت المملكة المتحدة، رغم تراجعها النسبي، في ممارسة نفوذ يفوق ثقلها الحقيقي على صعيد الشؤون الدولية، بفضل بنائها علاقات خاصة - وإن كانت مختلفة تماماً - مع الولايات المتحدة وأوروبا. إلا إننا نعاين في الوقت الراهن انهياراً في هذه العلاقات، مع انهيار هذا النفوذ الضخم المتجاوز لحجمها الحقيقي الذي تمكنت بريطانيا خلال حقبة ما بعد الاستعمار من ممارسته.
على صعيد الشؤون العالمية، تتميز القوة النسبية بأهمية أكبر من الأخرى المطلقة؛ بمعنى أن مسألة ما إذا كانت 100 دبابة عدداً كبيراً أو صغيراً تعتمد برمتها على ما إذا كان عدوك يملك 10 أو 1000 دبابة. من المنظور النسبي، مرت القوة العسكرية والاقتصادية البريطانية بانحسار مستمر منذ الحرب العالمية الثانية، بل وحتى منذ ما قبل ذلك. إلا أن بلداً حكم ذات يوم إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس لم يكن قانعاً برؤية نفوذه يتراجع مع تراجع قدراته النسبية. وعليه، فإنه حتى في الوقت الذي بدأت فيه بريطانيا تنسحب من مستعمراتها، وتتخلى عن بعض من مسؤولياتها العالمية، فإنها سعت للبقاء عنصراً مهماً على الساحة العالمية، من خلال ربط نفسها بالولايات المتحدة والأجزاء الرئيسية من القارة الأوروبية.
وتطلبت العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة الاقتراب من مواقفها بأقصى قدر ممكن، بل وحتى التنازل عن درجة من الاستقلالية والسيادة، في سبيل ممارسة قدر من النفوذ من خلال القوة العظمى في العالم. من أزمة قناة السويس عام 1956 حتى توحيد شطري ألمانيا نهاية الحرب الباردة، وقعت كثير من الانقسامات في العلاقات الأنغلو - أميركية، لكن رؤساء الوزراء البريطانيين بوجه عام حرصوا على أن تبدو بلادهم دوماً الحليف العسكري الأهم والأكثر مصداقية بالنسبة للولايات المتحدة، وصديقها الأقرب داخل حلف «الناتو»، والبلاد التي تبدي استعدادها للسير خلف الولايات المتحدة حتى في أكثر الحروب افتقاراً إلى الشعبية، مثل حرب العراق. ودارت الفكرة الرئيسية التي قام عليها هذا التوجه حول أنه سيمنح المملكة المتحدة مكانة جيوسياسية تفوق حجمها الحقيقي، وسبلاً لصياغة السلوك الأميركي.
أما العلاقة الخاصة الأخرى لبريطانيا، فكانت مع أوروبا. في هذه الحالة، كانت العلاقة خاصة لأن المملكة المتحدة كانت داخل أوروبا (كعضو في السوق الأوروبية المشتركة، ثم الاتحاد الأوروبي لاحقاً)، لكنها احتفظت بدرجة أكبر من الاستقلالية عن الأعضاء الآخرين، مثل الإبقاء على الجنيه الإسترليني عملة لها، بدلاً من التحول إلى اليورو. ومع هذا، فإن عضوية بريطانيا في الكتلة الأوروبية منحتها نفوذاً مكنها من الضغط لصالح السياسات التي تفضلها؛ مثل تعزيز الروابط عبر الأطلسية مع الولايات المتحدة، وبناء هيكل أمني يتمركز حول «الناتو»، وليس «الاتحاد الأوروبي».
وفي ظل الظروف المثلى، نجحت هذه العلاقات الخاصة في تعزيز الطرفين. وكان من شأن نجاح بريطانيا في ممارسة نفوذ على عملية صنع القرار الأوروبي، فيما يتعلق بقضايا تهم الولايات المتحدة، منح لندن نفوذاً إضافياً في واشنطن. وبالمثل، فإن قرب لندن الشديد من واشنطن منحها نفوذاً كبيراً داخل أوروبا، وأهّلها للقيام بدور حلقة الوصل مع القوة العظمى عالمياً على نحو أفضل من أي قوة أوروبية أخرى. وهناك اعتقاد سائد بأن نفوذ بريطانيا بلغ أوجه خلال فترة تولي توني بلير رئاسة الوزراء، عندما كانت العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا على ما يرام.
وعلى النقيض، نجد أن العلاقات البريطانية على الصعيدين الأميركي والأوروبي تمر الآن بحالة تردٍ حادٍ. وإذا مضى الاتفاق الذي توصلت إليه تيريزا ماي قدماً، سيترك البريطانيين بعلاقة خاصة فقط من المنظور السلبي؛ ذلك أن المملكة المتحدة ستصبح خاضعة لقواعد الاتحاد الأوروبي، على الأقل خلال الفترة الانتقالية، لكن دون ممارسة أي نفوذ على أسلوب صياغة هذه القواعد.
إلا أنه من الأمور التي تاهت عن أذهان كثيرين، في خضم الدراما المحيطة بعملية «البريكست»، أن العلاقات مع الولايات المتحدة تشهد تردياً هي أيضاً، الأمر الذي يعود في جزء منه إلى تطورات وقعت على الجانب البريطاني. لقد كانت القوة العسكرية للمملكة المتحدة، والاستعداد لاستخدامها، عنصراً محورياً في العلاقة الخاصة مع واشنطن، لكن نتيجة مجموعة متنوعة من العوامل - تحديداً الأزمة المالية عام 2008، وما أعقبها من تراجع في الاستثمارات - أصبحت هذه القوة اليوم مجرد صورة باهتة مما كانت عليه من قبل.
وتظل هناك جوانب أخرى من العلاقة الخاصة بين الجانبين على القدر ذاته من الأهمية الكبيرة التي اتسمت بها دوماً: الشراكة الاستخباراتية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ومع هذا، فإنه على امتداد سنوات عدة، نظر صنّاع السياسات الأميركية على نحو متزايد إلى فرنسا، وليس بريطانيا، باعتبارها الشريك العسكري المفضل في مهام ضد «داعش»، وجماعات إرهابية أخرى. وإذا ما انكمش الاقتصاد البريطاني نتيجة «البريكست»، فإن هذا سيترتب عليه مزيد من تراجع الإنفاق الدفاعي، الأمر الذي سوف يقلل من أهمية لندن العسكرية.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة