ما لم يدركه والي نصر

ما لم يدركه والي نصر

الخميس - 29 صفر 1440 هـ - 08 نوفمبر 2018 مـ رقم العدد [14590]
فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي
لا تزال الدراسات حول المودودي وأفكاره وأثره على الظاهرة الإسلامية، ودوره في شحذ العنف الأصولي تطرح حتى اليوم؛ ثمة إشكاليات يطرحها نتاجه تبعاً لتحولاتٍ سياسية تعرّجت بها خارطة دعواته، ظرف الدفاع عن أقلية مسلمة، وانبناء الدولة العلمانية الهندية، وحروب كشمير، دفعته نحو مواقف مصلحية ظرفية قرأ منها البعض نفياً للعنف، أو انعداماً بالصرامة، ولكنها بكل تفاصيلها لم تغادر أرضية أصولية صلبة، وصارت كتبه ومحاضراته وحتى أشعاره وقوداً لجماعات العنف بالعالم الإسلامي، ولا يمكن لهذه الظاهرة الأصولية أن تستمر من دون الجذوات التي أشعل بها المودودي مفاهيم الحاكمية وحلم الدولة الإسلامية، ومعاداة الغرب، والدعوة إلى العنف، وتداعيات ما رمى إليه على العالم الإسلام.
والي نصر الباحث الأميركي وعميد كلية الدراسات السياسية والاستراتيجية التابعة لجامعة جون هوبكنز وبأطروحته عن المودودي بعنوان: «المودودي وصناعة التجديد الإسلامي» عام 1994 درس بفصولٍ خمسة مسيرة المودودي، وأخذت معالجته لموضوعات الجهاد في أطروحاته مساراً دفاعياً، مثلاً في مبحثٍ بعنوان: «الجهاد والثورة» يقول: «يعد موقف المودودي من بعض المفاهيم الأساسية في الإسلام مثل الجهاد متحفظاً، مقارنة بغيره من المفكرين والنشطاء الثوريين، فقد رفض في عام 1948 مشروعية الجهاد الذي دعت له حكومة كشمير إبان هدنة بينها وبين الهند. كما صرحت باكستان بأن عددا من رجال الدين هم من دعوا إلى النفير للجهاد الذي لم يشارك فيه سوى بعض المقاتلين المتطوعين، ورفض المودودي شرعية هذا الجهاد، موضحاً أن إعلان الجهاد هو من صلاحيات الحكومة فقط، رافضاً جميع التفسيرات الثورية والسياسية لعقيدة الجهاد... قلّت صرامة موقف المودودي على مر السنوات، فقد صرح في عام 1939 بأن الجهاد العسكري يمكن أن يكون حلاً أخيراً إذا استخدم في سبيل نصرة الإسلام». ص (135 - 136).
في كتابٍ آخر له، بعنوان: «صعود قوى الثروة - نهضة الطبقة الوسطى الجديدة في العالم الإسلامي وانعكاساتها على عالمنا» يخصص والي نصر فصلاً بعنوان: «المسار الحقيقي للأصولية»، وفيه يؤكد بشكلٍ أوضح موقفه من المودودي وحقيقة دعوته إلى العنف، يقول: «لم يدع المودودي إلى العنف، بل كان على العكس من ذلك، يرى أنه يمكن تحقيق هدف إقامة الدولة الإسلامية عن طريق الثبات على أسلوب الهداية والإرشاد، فالأصولية بالنسبة للمودودي ليست إلا عملية تثقيف». ص (183)، ثم استرسل والي نصر يضرب أمثلة بمواقف للمودودي في عام 1941 ترفض المظاهرات والتحريض؟!
هذه النتيجة مزلق بحثي واضح، وآية ذلك أن الحادثات، والأقوال، والفتاوى الظرفية لا تشكّل فعلاً فحوى المنهاج الذي يسلكه المودودي، وهو الأب الروحي لجميع منظمات العنف للعالم، هذا يحيلنا إلى أبحاثٍ مهمة للأستاذ القدير علي العميم نشرها بهذه الجريدة وحلّت إِشكالياتٍ لم ينتبه لها والي نصر في بحثه الذي جزم فيه بعدم دعوة المودودي للعنف بناءً على فتوى سياسية ظرفية تتعلق بحدث محدد، ولكنها لا ترسم خارطته الآيديولوجية بشكلٍ كامل، والسؤال: كيف انطلت فكرة أن المودودي ضد: «العنف، المظاهرات، الخروج على الحاكم»؟!
أذكّر بإجابة مهمة وضافية للعميم كتبها بعدد [14474] بعنوان: «ما سبب اعتراض المودودي على الانقلاب السياسي الإسلامي حتى لو نجح؟» يجيب: «عارض المودودي استخدام الشباب الإسلامي العنف والحرب والسلاح لتغيير الأوضاع السياسية في تلك المحاضرة، ليس لأنه يرى في ذلك العمل خروجاً على مسألة طاعة ولي الأمر، فهو على العكس من ذلك يرى من منظور ديني متشدد ومغال، أن ليس ثمة حكومة إسلامية حقة ولا دولة إسلامية، إسلامها هو إسلام صحيح في العالم العربي والعالم الإسلامي منذ أن شرع في التأليف وكتابة المقالات، لا في الحاضر ولا في الماضي. فالحكومة الإسلامية والإسلام الصحيح، استمرا عنده إلى أمد قصير في خلافة عثمان. إن من وجوه التمييز بين إسلام المودودي وإسلام علماء بلده الهند السنيين وإسلام علماء السنة كافة، أنه لا يقول مثلهم بمسألة طاعة ولي الأمر بشروطها المعروفة في الفقه السني، بل يمكن القول إنه أول مثقف ديني سني في العصر الحديث اشتغل بدأب على نقض تلك المسألة، وعلى النيل والطعن الديني في إسلام العلماء المتأخرين والمتقدمين. وعارضه، ليس لأنه يخشى على الانقلاب المزمع عمله من قبل شباب إسلامي من الفشل، فهو قد قال في آخر نصيحته: ثم نجحتم في هذا الشأن إلى حد ما... عارضه لأنه يطمح إلى صنع انقلاب فكري شامل وجذري في المجتمعات الإسلامية، متدرج وبطيء ومتعدد الأبعاد في الانقلاب على ما سماه الجاهليات الثلاث: الجاهلية المحضة وجاهلية الشرك وجاهلية الرهبانية، يستغرق العمل على تحقيقه زمناً طويلاً. وهذا العمل بعد أن يؤتي ثماره يتلوه تنفيذ الانقلاب السياسي بأدواته المعروفة، وهي استخدام العنف والحرب والسلاح لتغيير الوضع السياسي. وهذا ما عناه بقوله: ثم نجحتم في هذا الشأن إلى حد ما. أي نجحتم في الاستيلاء على السلطة السياسية في البلد الذي أنجزتم الانقلاب فيه».
هنا مربط الفرس، الإجابة التي لم يستطع والي نصر تدبيجها في كتابه، أو اكتشافها في أبحاثه، ذلك أن الدراسة لشخصيات مثل المودودي تحتاج إلى تدقيق وتساؤل وتحليل، لا الوقوف باغتباط أمام نص ينفي به العنف، أو يحرّم الخروج على الحكومات، إجابة العميم تكشف مزلق والي نصر، وهنا الفرق بين البحث العمومي «الكورنولوجي» والآخر المتسائل والاستقصائي والذاهب وراء النص بحثاً عن مضمون النص وهدفه وأبعاده.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة