إيلين والد
كاتبة أميركية من خدمة «بلومبرغ»
TT

ترمب وفن إبرام الصفقات الإيرانية

كان من المفترض للعقوبات الأميركية الجديدة على صناعة النفط الإيرانية، والتي من المقرر أن تبدأ غداً الاثنين، أن تمارس أقصى قدر من الضغوط على الاقتصاد الإيراني. ومنذ الإعلان عن انسحاب الإدارة الأميركية من الاتفاق النووي الإيراني في مايو (أيار) الماضي، زعمت الإدارة الأميركية أن هدفها هو الهبوط بالصادرات النفطية الإيرانية إلى حدها الصفري. وكرر المسؤولون الأميركيون التصريحات التي تفيد بأنهم يتوقعون من العملاء وقف جميع الواردات النفطية الإيرانية إلى بلادهم، وأنه لن تكون هناك أي إعفاءات أو استثناءات في هذا الشأن. وأخذت الأسواق العالمية هذه التصريحات بمنتهى الجدية. وارتفعت أسعار النفط عالمياً بمقدار 11 دولاراً للبرميل بين يوليو (تموز) وأكتوبر (تشرين الأول) من العام الجاري إثر الأنباء التي أفادت بخروج نحو 1.5 مليون برميل من النفط الإيراني من العرض العالمي على أساس يومي.
لكن اليوم وصلتنا قنبلة جديدة: إذ ذكرت وكالة «بلومبرغ» الإخبارية أن وزارة الخارجية الأميركية تعزم تقديم إعفاءات مؤقتة إلى نحو 8 بلدان وحكومات بشأن استيراد النفط الإيراني. ومن الواضح أن اليابان، والهند، وكوريا الجنوبية من بين مجموعة البلدان المستثناة، في حين أن سلطة الحكم الذاتي المعفاة هي تايوان. وفي حين أن الإعفاءات المذكورة تسمح لتلك البلدان بمواصلة شراء النفط الإيراني، فإنه يتعين على هذه الدول التقليص التدريجي بمرور الوقت من الواردات النفطية الإيرانية خلال الأشهر المقبلة، أو ربما يتحتم عليها مواجهة العقوبات الأميركية.
وجاء عدد البلدان المعفاة وفق القرار الأميركي - التي تختلف عن العقوبات التي أصدرتها إدارة الرئيس أوباما، سواء من حيث إنها مؤقتة أو أنه تفرض التقليص الحتمي التدريجي من الواردات بمرور الوقت - مشكلاً صدمة لدى العديد من الخبراء على صعيد الأمن القومي وصناعة النفط. ولكن في واقع الأمر، وبالنسبة لكل من يُمعن النظر، لا بد أن يبلغ حقيقة مفادها أن الموقف الصارم والقاسي من إدارة الرئيس ترمب كان لا يعدو كونه مناورة تفاوضية صيغت بعناية فائقة، وأن التهديد والوعيد الشديد الذي تلاه قبول أكثر هدوءاً لبعض الواردات كان على الدوام من خطط الرئيس الأميركي سابقة الإعداد. مما يمكن أن نطلق عليه مسمى: فن إبرام الصفقات الإيرانية.
والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت الإدارة الأميركية قادرة على تغيير رأيها من عدمه، وتحويل خطابها الصارم إلى سياسة فعالة إذا لزم الأمر.
وفي مايو الماضي، عندما أعلن الرئيس ترمب عن خطته بإعادة فرض العقوبات الأميركية، كانت إيران تصدر 2.8 مليون برميل نفطي يوميا بأسعار السوق العالمية. وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إن هدف السياسة الخارجية للولايات المتحدة هو إجبار إيران على التصرف مثل الدول القومية الطبيعية. وهذا يعني إجبار طهران على الانسحاب الكامل من مغامراتها العسكرية في كل من سوريا والعراق واليمن، ووقف دعم تنظيم حزب الله اللبناني، ووقف دعم الإرهاب الدولي، والعزوف عن مواصلة طموحاتها النووية العدائية. وازداد النفوذ الأميركي إثر الانهيار الاقتصادي الإيراني وما أعقبه من احتجاجات شعبية واسعة النطاق في البلاد.
وعلى وجه التحديد، أصرت إدارة ترمب على أن الدول التي ابتاعت النفط الإيراني والمؤسسات المالية التي سهلت نقل الأموال بشأن النفط الإيراني سوف تواجه الغرامات المالية وعقوبات أخرى. وقالت واشنطن إنها قد تفرض أيضا ما يُعرف بالعقوبات الثانوية على المؤسسات التي تتعامل مع إيران، مما يعني الحد من تفاعل الشركات الأميركية مع المؤسسات التي تقوم، على سبيل المثال، بمعالجة المدفوعات من المصافي الصينية إلى البنك المركزي الإيراني. وتعمل هذه العقوبات الثانوية لأن اقتصاد الولايات المتحدة كبير بما يكفي، بحيث تخشى الدول والشركات العالمية من فقدان القدرة على الوصول إلى الأسواق الأميركية، أكثر من حاجتها إلى النفط الإيراني الرخيص. وكان لهذا التهديد تأثيره المباشر: ألا وهو انسحاب شركة النفط الفرنسية العملاقة «توتال» على نحو فوري من شراكة لتطوير حقل إيراني للغاز الطبيعي.
بعد ذلك، ومع اقتراب ميعاد إنفاذ العقوبات، تغير كل شيء تماماً: وبات من الواضح أن الإدارة الأميركية كانت مستعدة للتفاوض للحصول على أفضل الصفقات التي يمكنها الحصول عليها من عملاء النفط الإيراني. على الرغم من أن المصافي النفطية في الهند والصين وتركيا واليابان وكوريا الجنوبية قد أشارت إلى أنها قد خططت منذ فترة لوقف استيراد النفط الإيراني بالفعل، إلا أن الأرقام جاءت لتلاوة قصة مختلفة تماما. ووفقاً لموقع (TankerTrackers.com) المعني بتعقب حاملات النفط العالمية، فإن كلاً من الصين والهند وسوريا والإمارات وتركيا لا تزال تستورد أكثر من 100 ألف برميل يوميا من النفط الإيراني، في حين أن الصين والهند قد ابتاع كل منهما ما لا يقل عن 700 ألف برميل من النفط الإيراني يومياً.
ويعد هذا انخفاضاً ملحوظاً من المستويات المرتفعة فيما سبق، ولكن لا يزال هناك قدر كبير من النفط. وأحد الأسباب وراء ذلك هو أن إيران زادت من جاذبية العروض النفطية للعملاء لمعارضة العقوبات الأميركية عن طريق تخفيض أسعار النفط الإيراني وعرض سداد تكاليف الشحن. وهذه العروض تقلل من أرباح الحكومة الإيرانية بشكل كبير، ولكنها لا تزال تجلب الأموال التي تشتد الحاجة إليها في الداخل الإيراني. وكانت بمثابة إشارة واضحة إلى دول العالم وتوقعات بأن تتراجع إدارة الرئيس ترمب عن موقفها الصارم بشأن وقف التصدير.
وجاء تقرير إخباري يوم الأربعاء، عندما صرح جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي بأن هدف الواردات الصفرية الإيرانية لن يتحقق على نحو فوري. وتدل الأنباء الواردة اليوم بأن ثمانية من عملاء النفط الإيراني الحاليين والسابقين بمعرض الحصول على إعفاءات أميركية على أن الخطاب الصارم والموقف اللين كانا من تكتيكات إدارة الرئيس ترمب التفاوضية منذ البداية.
وهو من التكتيكات التي استخدمها الرئيس ترمب في المفاوضات التجارية مع كوريا الشمالية، وكندا، والمكسيك، وحتى مع الاتحاد الأوروبي. وتتخذ الإدارة الأميركية موقفاً مبدئياً صارماً وقاسياً لا يقبل النقاش ولا التراجع، ذلك الذي يفسح المجال لاحقاً نحو تسوية تفاوضية تحقق الولايات المتحدة من ورائها بعض أهدافها المعلنة، ولكن ليس جميع الأهداف على أي حال. وكان الهدف في الحالة الإيرانية هو التقليل الكبير من الإيرادات النفطية الإيرانية، وكان الموقف المتصلب للإدارة الأميركية يرمي إلى ضمان انخفاض الصادرات النفطية إلى حد كبير وبأسعار متدنية للغاية، الأمر الذي أفضى إلى انخفاض هائل في الأرباح لدى الحكومة الإيرانية في خاتمة المطاف.
*بالاتفاق مع «بلومبرغ»