حول تصميم أسواق رأس المال وهيكلتها

حول تصميم أسواق رأس المال وهيكلتها

الخميس - 8 صفر 1440 هـ - 18 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [14569]
يعتبر التحليل المهني الفعال لقيمة أسهم شركة نيومان من العمليات كثيفة العمالة التي تستلزم إجراء بحوث واسعة المجال، مع فهم جيد للبيانات المالية وغير ذلك من البيانات الفنية ذات الصلة، فضلاً عن معرفة عميقة بالصناعة محل البحوث، والنمذجة المتطورة. فإن عمد بعض المحللين إلى تفادي بذل هذه الجهود والنزوع، بدلاً منها، إلى استمداد المعلومات السرية من المطلعين على بواطن الأمور داخل الشركات في انتهاك واضح لواجبات وظائفهم، ومن ثم الوصول السريع إلى «التوقعات» بشأن أداء الشركات التي لا يمكن لأي نموذج مضاهاتها، فسوف يفضي ذلك بالضرورة إلى تثبيط المحللين الآخرين عن القيام بما هو ضروري كي تعمل الأسواق بالفعالية المطلوبة منها.
ونموذج تحليل الاستثمار المذكور هنا هو واحد من أساليب التعلم والحساب: فإنك تقرأ الكثير من المعلومات العامة حول الشركات والصناعات والموظفين، ثم تنشئ جدول البيانات للقيام ببعض العمليات الحسابية الجيدة للغاية بشأن البيانات المالية للشركة، ثم تتكون لديك رؤية حول القيمة هي أفضل مما لدى الآخرين بالفعل. وهذا، بطبيعة الحال، من النماذج المعروفة للجميع بشأن تحليل الاستثمار، فيما بين المستثمرين المبتدئين والمحترفين وكذلك بالنسبة للروبوتات. وهو يميل لأن يجعل الأسواق أكثر كفاءة، والسعار أكثر استنارة، حيث إن قراءة الكشوف العلنية للشركة على طول الطريق، والقيام بالعمليات الحسابية الجيدة المطلوبة بشأنها ليس من الأمور التافهة، بل إنه من الأعمال ذات القيمة الاجتماعية المهمة.
ولكن الأمر لا يتعلق بالنموذج فحسب. فإن الكثير من تحليلات الأوراق المالية يجري عبر الهواتف. ويطور المحللون حدسهم بشأن خفايا ما وراء الأرقام في التقارير المنشورة، ثم يتصلون بالشركة للاستعلام عن الأمر. وقد يجتمعون مع مدراء الشركة أو مسؤولي علاقات الاستثمار فيها وجهاً لوجه أو خلال المؤتمرات. وتراهم يتحدثون إلى مدراء الشركة لاقتراح المعاملات أو بشأن إعادة شراء الأسهم أو التغييرات الإدارية ذات الصلة، ثم يستمعون إلى إجابات المديرين التنفيذيين حول هذه المسائل. وتراهم يتحدثون أيضاً إلى الخبراء في المجال، وبعضهم قد تكون له خبرات سابقة بشأن منتجات الشركة. ويتحدثون أيضاً إلى المحامين المختصين في براءات الاختراع، وعلماء الجيولوجيا بشأن الاحتياطات النفطية هنا وهناك، ومع الباحثين في مجال أمن المعلومات حول ممارسات البيانات الخاصة في الشركات.
وهم يتحدثون إلى موردي الشركة للوقوف على الإمدادات التي تبتاعها، وإلى تجار التجزئة لمعرفة عدد الوحدات التي تقوم الشركة بشحنها. ثم يتصلون هاتفياً بجماعات الضغط لمعرفة كيفية قيام الكونغرس ومختلف الوكالات الحكومية بتنظيم أمور الشركة. وتراهم يبحثون عن حسابات الموظفين السابقين في مختلف منصات التواصل الاجتماعي ويسألونهم حول أخلاقيات التعامل في الشركة، وهل تقوم الشركة بأية عمليات تزوير أو احتيال. ويقومون أيضاً بإجراء الدراسات المسحية الخاصة بالمستهلكين، أو يدفعون الأموال للمستفيدين من استطلاعات الرأي بغية الحصول المبكر على نتائج الاستطلاعات. ويطيرون بالمروحيات فوق صهاريج النفط الخاصة بالشركة، أو يدفعون لشركات الأقمار الصناعية للحصول على صور لمواقف سيارات الشركة. وأساليب جمع المعلومات والحصول عليها كثيرة ومتشعبة، وهم يميلون إلى التركيز على الوصول إلى المعلومات التي لا يستطيع سواهم من الناس الوصول إليها.
ولكن، هل هذه الممارسات كافة منصفة؟ إنني لا أعرف المقصود تحديداً بالإنصاف في هذا السؤال. ولكن هناك بعض القواعد التي تمخضت عن القضاء الأميركي والتي تحمل قدراً معقولاً من المنطقية، والتي تركز بشكل تقريبي، على ما إذا كان المتداولون الداخليون يستخدمون معلومات أشخاص آخرين لتحقيق مصالحهم الخاصة.
لذا كان من الجيد، في الأسبوع الماضي، أن يتقدم كل من بريت بهارارا، المحامي السابق الذي عمل على قضية نيومان، وروبرت جاكسون مفوض لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، باقتراح تشكيل لجنة جديدة للوقوف على ماهية قانون التداول الداخلي في الشركات وصياغتها على النحو الصحيح.
ومن حيث المبدأ، فإن هذا من الأمور الجيدة: فإن كان التداول الداخلي جريمة من الجرائم، فينبغي وضع القانون الذي ينص على أنه جريمة، والذي يُحدد ماهية هذه الجريمة. ومن ثم يتسنى للجميع معرفة ما هو قانوني وما ليس كذلك.
وأرسل فريق العمل المذكور، يوم الجمعة الماضية، إعلانا بالبريد الإلكتروني يتضمن قائمة بالأعضاء المشاركين. وهناك خمسة من المدعين الفيدراليين السابقين، وأحد المحامين السابقين في وكالات إنفاذ القانون، واثنان من أساتذة القانون. ولا يوجد بينهم محللون للأوراق المالية، أو مديرون لصناديق التحوط، أو مديرو صناديق الاستثمار المشتركة، أو محامون للشركات، أو كبار المسؤولين الماليين في الشركات العامة. ولا يوجد بينهم مستخدمون سابقون في أسواق الأوراق المالية، ولا مستثمرون من الذين تتعلق وظائفهم بالحديث إلى الشركات، أو المديرون التنفيذيون بالشركات الذين تتعلق وظائفهم بالتواصل مع المستثمرين، أو البائعون على المكشوف الذين يعملون على اكتشاف عمليات الاحتيال، أو النشطاء الذين تدور وظائفهم حول التأثير على سلوكيات الشركات، أو محاميو الامتثال الذين يعملون على تحديد الأنواع المسموح بها من المحادثات مع الشركات.
وهذا مما أثار استغرابي كوسيلة من وسائل الوقوف على ماهية التداول الداخلي. ويبدو لي أن قانون التداول الداخلي يدور بالأساس حول تصميم أسواق رأس المال وهيكلتها: كيف يمكن للناس الحصول على المعلومات؟ متى يمكن للشركات الحديث إلى أصحاب السهم وما الذي يمكن أن يقولوه؟ ما هي أساليب البحث التي تشكل إضافة إلى كفاءة الأسواق؟ وما هي الطريقة التي تقوض الثقة في الأسواق؟ فإن كانت تلك هي الأسئلة ذات الأهمية، فمن الغريب أن تتولى لجنة من المدعين العوام وخبراء القانون الإجابة عنها. قد نحتاج إلى مدعٍ عامٍ واحدٍ في اللجنة، للحصول منه على النصائح العملية بشأن كيفية إجراء التحقيقات والملاحقات القضائية. ولكن ينبغي أن تقضي اللجنة جُل وقتها في التفكير بشأن أسواق رأس المال وليس في أساليب التقاضي الجنائي ذات الصلة.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة