أربع وعشرون ساعة في شارع الحمرا

أربع وعشرون ساعة في شارع الحمرا

الثلاثاء - 15 محرم 1440 هـ - 25 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14546]
لينا الخطيب
رئيسة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، «تشاثام هاوس» - لندن
في صباح يوم ممطر في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، قبل شروق الشمس، قررت الجلوس على رصيف شارع الحمرا الأكثر ازدحاماً في بيروت، في جزء معين من الشارع كان يتردد عليه المتسولون والباعة المتجولون في الشوارع والمشردون. في كل ساعة، كنت أقوم بالتسجيل على الفيديو دقائق عدة من الحياة اليومية كما تُرى من منظور شخص يجلس على الرصيف. قضيت أربعاً وعشرين ساعة متواصلة في شارع الحمرا بهذه الطريقة، خلال بعضها جلس معي والدي المحب للتجارب الفريدة، حتى الرابعة من صباح اليوم التالي. السبب في أنني فعلت ذلك هو لأنني أردت أن أصنع عملاً فنياً ينتقد الإحساس السائد بالروتين الذي من خلاله تُرى النزاعات، وبخاصة تلك في الشرق الأوسط.
في ذلك الوقت، كنت أعيش في بيروت وكانت المدينة تشهد تدفقاً متزايداً للاجئين السوريين. لم يكن كل اللاجئين فقراء، لكن معظمهم كانوا كذلك. أصبح اللاجئون المعدمون وأيضاً المتسولون، بمن منهم الإناث والأطفال الذين يشير إليهم السكان المحليون بـ«الغجر»، مشهداً روتينياً بينما كنت أسير في شارع الحمرا. أزعجني هذا الإحساس بالروتين. فقد كنت وما زلت أعمل بنشاط عن الصراع السوري ومحاولة إبقاء اهتمام صانعي السياسات والجمهور العام بهذه الأزمة. أدركت أن وجود اللاجئين السوريين المعوزين على وجه التحديد، ووجود المحرومين من حقوقهم نتيجة للنزاع بشكل عام، قد أصبح مألوفاً للغاية في شوارع بيروت لدرجة أنهم أصبحوا غير مرئيين. وهذا يساهم في نقل الصراع السوري إلى عالم المنسيين.
تكشف تجربة الجلوس على الرصيف مع هذه المجتمعات المهمشة وما ينتج منها من لقطات فيديو للوتيرة اليومية لشارع الحمراء التي اختبرتها، التي سجلتها من خلال كاميرا الهاتف الموضوعة على مستوى الأرض، عن النظرة للعالم كما يراها الكثير من اللاجئين، ومعظمهم من السوريين، والأطفال المتسولين، والمشردين، وبخاصة الناس الذين، منذ عام 2011، دفعهم الصراع إلى العيش في الشارع.
مع مرور اليوم، مرّ الناس من جميع مناحي الحياة أمامنا في شارع الحمرا، وهم يسيرون على خطى ثابتة. في بعض الأحيان توقف المشاة مؤقتاً، لكن حتى عندما توقفوا وواجهوا اتجاهنا، بدا المارة غير مكترثين، كما لو كنا ليس أكثر من مجرد امتداد للرصيف الذي كنا نجلس عليه. في مناسبات قليلة فقط لاحظ الناس أن ملابسي جعلتني مختلفة عن المتسولين والباعة المتجولين في الجوار، فتحدثوا معي، متجاهلين الآخرين حولي. سألني لبناني ما إذا كنت قد طردت من منزلي. شخص آخر لبناني مسنّ نظر في اتجاه شحاذ سوري كان يجلس قريباً مني وعرض عليّ ضرب، بعكازه، أي شخص يضايقني. في حين عرض منتج تلفزيوني المساعدة مقابل تسجيل المبادرة في برنامج يعده.
اعتبرني «الغجر» من أطفال الشحاذين والنساء غير مرغوبة، متسائلين إذا كنت متسولاً جديداً يتنافس معهم في «بقعتهم». في ذلك الصباح، كانت توقفت سيارة أجرة أمامي وترجل منها عدد من هؤلاء المتسولين، الذين تم لمهم في وقت لاحق من قبل سيارة أجرة أخرى في نهاية اليوم. أمضت إحدى المتسولات طوال اليوم أمامها طفل يتضور جوعاً، ومن الواضح أنها لم تكن هي أمه، ولم تقدم له قطرة من الطعام أو الماء. وتجادلت طفلة شحاذة مع طفلة أخرى لأن الأخيرة كانت قد تسولت في «بقعة» الأولى في اليوم السابق، وأجبرتها على دفع 10000 ليرة لبنانية قائلة إنها من مستحقاتها. بعدها نزل رجل لبناني بلعن المرأة مع الطفل الجائع، لكنه أعطاها المال على أي حال. لاحظ عامل سوري في أحد المحال خلال استراحة الغداء أنني ما زلت على الرصيف، حيث كان رآني لأول مرة في طريقه إلى العمل في ذلك الصباح، وعرض عليّ شراء الطعام. لكن أكثرية المارة لم تعطنا - سكان الرصيف - اهتماماً.
ورائي في ذلك الصباح، كان ينام رجل لبناني في منتصف العمر بلا مأوى. أخبرني أن إحدى المتسولات «الغجريات» التي تبلغ من العمر سبع سنوات رمته بالحجارة لأنها اعتبرته منافساً، رغم أنه لم يكن يتسول. بعدها طلبت مني متسولة بالغة الطعام، فقط لترمي الساندويتش الذي أعطيتها إياه، قائلة بأنه صغير للغاية. ثم شرعَت في الحديث مع المرأة المتسولة مع الطفل اشتكت فيه من أن مولد الكهرباء في المبنى الذي تعيش فيه تعطل؛ مما تركها غير قادرة على مشاهدة التلفزيون في فترة تقنين الكهرباء.
في هذه الأثناء، كان اثنان من المراهقين السوريين يعملان في مجال شحذ الأحذية يحاولان الابتعاد عن المتسولين. رآني جئ حمص أل فسأل أ ة أات إ أ كان ً أ أس اس.
اكتشفت أن هناك مافيا لبنانية تقوم بتنسيق عمل المتسولين «الغجر» تستغل تعاطف الناس مع اللاجئين السوريين للاستفادة من النزاع. بالطبع، هؤلاء المتسولون أنفسهم هم أيضاً ضحايا. لكن ليس فقط المتسولون هم الذين يفقدون إنسانيتَهم نتيجة لاستغلالهم؛ استغلالهم يعني أنهم يبدأون أيضاً في تجريد الآخرين من إنسانيتهم. في اللقطات التي التقطتها، وضع الكاميرا على مستوى العين لأولئك الجالسين على الأرض يصور المارة كمجرد أزواج من الأرجل، تتبدد إنسانيتهم بذهابهم وإيابهم. تصبح عملية التجريد المتبادل هذه نموذجاً مصغَراً للتجربة البشرية في ظل النزاع، في لبنان، لكن أيضاً بشكل عام. عندما نصبح عمياناً تجاه الصراع، لا نجرد الآخرين من إنسانيتهم فحسب، بل يجردنا الآخرون من إنسانيتنا أيضاً، وبالتالي نجرد نفسنا من إنسانيتنا.
سوف أقوم بعرض فيديو «24 ساعة في شارع الحمرا» كمعرض فردي في P21 Gallery في لندن الذي سيقام في الفترة من 27 سبتمبر (أيلول) حتى 5 أكتوبر. سيتم عرض الفيديو على شاشات متعددة موضوعة جنباً إلى جنب على الأرض لتكرار أجواء شارع الحمرا كما تكرار وجهة النظر الدنيوية المأساوية لشخص يراقب الأيام تتحول إلى ليالٍ كما لو كان خارج الحياة نفسها.
يمكن للجمهور فقط الاستماع إلى الموسيقى التصويرية عبر سماعات الرأس، على الأرجح متوقعين أصوات الشارع أو ربما التعليق. بدلاً من ذلك، فإن أغنية «قبل المساء» لفرقة سورية من دمشق تقوم بإخراجهم من الإيقاع شبه الآلي للناس وحركة المرور في لقطات الفيديو، للتحذير من أنه على الرغم من الدوران اليومي لكوكب الأرض حول نفسه، حسب كلمات الأغنية «لن يضيء ضوء».
تلك الساعات الأربع وعشرون في شارع الحمرا أكدت تعقيد قضية «الضحية» التي هي نتيجة حتمية لأي نزاع. المعرض بمثابة نداء إلى الجمهور لإبقاء أعينه على سوريا والصراعات في الشرق الأوسط وأماكن أخرى. إن رؤية الصراع كروتين تعني فقدان إنسانيتنا الجماعية.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة