لماذا يوجد عمال في مجالس إدارة شركات ألمانية؟

لماذا يوجد عمال في مجالس إدارة شركات ألمانية؟

الأحد - 28 ذو الحجة 1439 هـ - 09 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14530]
كشفت إليزابيث وارين، عضو مجلس الشيوخ الأميركي، مؤخراً، عن تشريع سوف يلزم الشركات الأميركية الكبرى، من بين أمور أخرى، بالسماح للعاملين بانتخاب 40 في المائة من مجالس إدارة الشركات التي يعملون بها.
أثار هذا التشريع المقترح ردود فعل ساخرة، ففي موقع «فوكس» كتب ماثيو إيغلاسياس، أن مقترحات وارين قد «تنقذ الرأسمالية». ووصفها كيفين ويليامسون في مجلة «ناشيونال ريفيو» بأنها «أكبر مصادرة للممتلكات الخاصة في تاريخ البشرية».
أياً كان موقع رأيك على مقياس هذا الطيف، يبدو من المهم الاعتراف بأن ألمانيا، وهي واحدة من أكبر الدول الرأسمالية الناجحة، تفرض حالياً تمثيلاً للعاملين بنسبة 50 في المائة في المجالس الإشرافية داخل الشركات الكبرى، وأن أكثر دول الاتحاد الأوروبي تحثّ حالياً على شكل من أشكال إشراك العاملين في اتخاذ القرار مع الإدارة، أو تلزم بذلك.
يجعلني ذلك أتساءل: كيف انتهى الحال بالشركات الألمانية إلى منح كل تلك المقاعد في مجالس الإدارة لعاملين؟ كذلك تساءلت عن سبب عدم قيامنا بذلك في الولايات المتحدة؛ لكن بعد كتابة 1200 كلمة عن ألمانيا، قررت أن أؤجل ذلك لمقالي المقبل.
الإجابة القصيرة الموجزة عن هذا التساؤل هي أنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ساءت سمعة مديري وأصحاب الشركات الصناعية الألمانية الكبرى، حيث مثُل البعض أمام المحكمة في مدينة نورنبرغ كمجرمي حرب، في حين اعتبرت قوى الاحتلال المتحالفة اتحادات العمال في البلاد، التي حظرها أدولف هتلر عام 1933، بريئة من أي وصمة نازية.
كان الجزء الأكثر انخراطاً في التصنيع من البلاد في أيدي البريطانيين، الذين كانوا يقومون بتأميم كثير من الصناعات الكبرى في أوطانهم، ويريدون فعل ذلك في ألمانيا؛ لكن بعد تجربة التأميم على أرض الواقع أثناء الحكم النازي، دفع زعيم «حركة الاتحاد» في المنطقة البريطانية، المكونة من نحو سبعين عاملاً سابقاً في المعادن، إلى جانب السياسي الاجتماعي الديمقراطي هانز بوكلر، باتجاه عقد اتفاقات مع أصحاب الشركات بعد التفاوض لمنح العمال تمثيلاً متكافئاً في مجالس الإدارة. وافق كثير من شركات الحديد والصلب الكبرى في المنطقة البريطانية، مفضلين ذلك على التأميم.
ما ساعد في تحقيق ذلك هو تمتع رجال الأعمال والعمال الألمان بالفعل ببعض الخبرة في عملية اتخاذ القرار المشتركة بين العمال والإدارة. وكان ذلك من الموضوعات المهمة وغير المحسومة التي تمت مناقشتها في أول برلمان ديمقراطي للبلاد، وهو برلمان فرانكفورت، الذي لم يستمر سوى فترة قصيرة بين عامي 1848 و1849. وأخذ أصحاب الأعمال الألمان يجربون خلال العقود التالية أنظمة متعددة لمنح العمال فرصة التعبير عن آرائهم في شؤون الشركة بالأساس، في شكل «مجالس أعمال» يتم اختيار العاملين المشاركين فيها، والتي كانت تناقش ظروف العمل. وفي عام 1916 أدى النقص في العمالة خلال الحرب إلى سنّ قانون يلزم كل رجل بالغ في البلاد بالعمل؛ لكنه في الوقت ذاته ألزم أصحاب العمل، الذين لديهم 50 عاملاً أو أكثر، بإنشاء مجالس أعمال. عند نهاية الحرب العالمية، وافقت الاتحادات ومجموعات أصحاب العمل على جعل المجالس دائمة. تم التصديق على ذلك في شكل قانون عام 1920، وبعد ذلك بعام أصدرت حكومة فايمار قراراً يقضي بحصول العمال على مقعد أو اثنين في المجالس الإشرافية للشركات، بحسب حجم المجلس.
ومنذ ذلك الحين أصبح لدى الشركات مجالس إدارة مكونة من إدارة عليا ومجالس إشرافية تستبعد الإدارة العليا. وكان رد فعل كثير من الشركات تجاه قانون التمثيل في مجالس الإدارة هو تقليص دور الأخيرة، وخفض معدل عقد الاجتماعات، وأحياناً تقصير مدة الاجتماعات إلى 15 دقيقة. كذلك بدأ قبول أصحاب العمل لمجلس الأعمال يضعف ويتراجع خلال عشرينات القرن العشرين، وفي الثلاثينات دعم كثير من الأعمال توجهات حكومة النازي بإغلاق اتحادات العمال ثم مجالس الأعمال من بعدها.
تغيرت المواقف بعد الحرب، حيث اختار الألمان الغربيون أول حكومة لهم عام 1949. وسرعان ما اتجه كونراد أديناور، المستشار من الحزب «المسيحي الديمقراطي» نحو وضع قانون عملية اتخاذ القرار المشتركة الخاص بالشركات التي تعمل في صناعات الفحم والحديد والصلب، والتي كان الألمان يتعاملون معها كصناعة واحدة، ولديها أكثر من ألف عامل. وتم سنّ القانون عام 1951. وبعد عام تم إصدار قانون آخر يقضي بضرورة تمكين الشركات الكبرى العاملة في صناعات أخرى العاملين من اختيار ثلث أعضاء مجلس الإدارة.
وكما يوضح إيوان ميكغوي، الباحث القانوني البريطاني، في ورقة بحثية عام 2015 بعنوان «صفقات الإدارة المشتركة: تاريخ الشركات الألمانية وقانون العمل الألماني»، وهو أفضل مصدر وجدته يتناول هذا الموضوع، لم يكن القانون الثاني خطوة متقدمة كمحاولة تبذلها حكومة اليمين – الوسط للدفاع عن الإدارة المشتركة ذات نسبة 50 في المائة مقابل 50 في المائة.
في الستينات جددت «حركة الاتحاد» دفعها باتجاه إدارة مشتركة كاملة. وعارض أصحاب الأعمال ذلك بشدة، ونشرت صحيفة «دير شبيغل» ذات التوجه اليساري، موضوع غلاف عام 1968 كان عنوانه على سبيل السخرية «الإدارة المشتركة: نهاية اقتصاد السوق؟»، لكن قادت تجربة صناعة الحديد والصلب، التي كانت إيجابية بشكل كبير، وانتخاب فيلي براندت، أول مستشار من الحزب الديمقراطي الاجتماعي لألمانيا منذ عام 1930، في عام 1969، في النهاية إلى سنّ قانون الإدارة المشتركة لعام 1976، الذي يلزم تقريباً كل الشركات الألمانية، التي يزيد عدد العاملين فيها عن ألفي عامل، بمنح العاملين حق انتخاب نصف أعضاء المجالس الإشرافية.
توقع خبيرا الاقتصاد الأميركي مايكل جينسين وويليام ميكلينغ، الباحثان المسؤولان عن ترسيخ الاعتقاد بأن الدور الوحيد للشركات في الولايات المتحدة هو تحقيق أكبر قدر ممكن من العائدات للمساهمين بها، في ورقة بحثية لم تحافظ على مكانتها مع الزمن عام 1979، أن القانون الألماني الجديد سوف يكون إما غير ذي صلة نظراً لتمكّن المساهمين من مواصلة ممارسة «السيطرة الكاملة على شؤون الشركة» بسبب التمثيل الضعيف للعمال وانقسامهم، وإما سيحوّل الاقتصاد الألماني إلى نظام على شاكلة نظام يوغوسلافيا، الذي يتسم بضعف الاستثمار، وتوقف النمو، والتدخل الكبير من جانب الحكومة.
لم يحدث أي من هذا، فإدارة الشركات الألمانية مختلفة بشكل ملحوظ عن الإدارة الأنغلو أميركية؛ حيث تهتم الشركات الألمانية بمشكلات ومخاوف العمال، مثل الأمن الوظيفي، أكثر مما تهتم بزيادة قيمة أرباح المساهمين قصيرة الأجل. مع ذلك لم يتجمد الاقتصاد الألماني؛ بل على العكس ارتفع النمو السنوي لإجمالي الناتج المحلي الفعلي للفرد منذ عام 1976 (1.8 في المائة) بدرجة أسرع قليلا من النمو السنوي لإجمالي الناتج المحلي الأميركي (1.7 في المائة).
هذا فارق ضئيل بالتأكيد، وبالنظر إلى أن إجمالي الناتج المحلي للفرد في ألمانيا كان ولا يزال أقل عنه في الولايات المتحدة بمقدار أكثر من 10 في المائة، يمكن للمرء القول إن فشل البلاد في جسر الهوة دليل ضدها. كذلك فشلت ألمانيا خلال العقود القليلة الماضية في إنشاء شركات جديدة تنافس عالمياً كما فعلت الولايات المتحدة. كذلك النسبة بين معدل التوظيف وعدد السكان في ألمانيا، وعمر متوقع للسكان أعلى، وعدم تكافؤ في الدخل أقل، مقارنة بالولايات المتحدة، ناهيك عن الدين الحكومي المحلي البالغ 64 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، ويشهد انخفاضاً، مقارنة بالدين الأميركي الذي يمثل 105 في المائة من إجمالي الناتج المحلي ويشهد ارتفاعاً. بوجه عام يبدو أنه رغم عدم وجود ما يكفي من الأدلة للتصريح بأن تجربة ألمانيا في الإدارة المشتركة قد نجحت في إنقاذ الرأسمالية، لا توجد أسباب وجيهة قوية تدفعنا نحو اعتبارها عملية مصادرة ممتلكات كارثية.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة