هل الولايات المتحدة تتحول إلى اقتصاد النفط؟

هل الولايات المتحدة تتحول إلى اقتصاد النفط؟

الأحد - 7 ذو الحجة 1439 هـ - 19 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14509]
تغير وجه سوق النفط كثيراً خلال السنوات العشر الماضية. وإليكم في ما يلي، على سبيل المثال، أحدث البيانات الصادرة بشأن واردات وصادرات النفط والمنتجات النفطية في الولايات المتحدة الأميركية، والصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية في نهاية الشهر الماضي.
تحولت الولايات المتحدة من وضعية أكبر مستورد للنفط إلى أصغر مستورد للنفط على مستوى العالم.
وتفيد أحدث توقعات الحالة الأساسية الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن الولايات المتحدة على طريقها لأن تكون «المُصدّر الصافي المتواضع» للنفط بحلول عام 2029 حتى عام 2045. ولم تتنبأ إدارة معلومات الطاقة الأميركية ولا أي شخص آخر (في حدود معرفتي على الأقل) بزيادة كبيرة في إنتاج النفط الأميركي خلال السنوات العشر الماضية، ورغم ذلك، دعُونا ننحِّ التوقعات جانباً. فما حدث بالفعل هو أمر بالغ الأهمية. في ما يلي، على سبيل المثال، الرؤية بعيدة المدى (رجوعاً إلى عام 1870) بشأن صادرات النفط الخام الأميركية.
دخلت تغيرات كبيرة على دور النفط في اقتصاد الولايات المتحدة وبوتيرة سريعة يرجع الفضل فيها إلى التكسير الهيدروليكي وغيره من الأساليب الحديثة لاستخراج النفط من الصخر الزيتي في البلاد، الأمر الذي يستحقّ التوقف عنده من وقت لآخر لإمعان النظر في ما ينطوي عليه ذلك. وكنت قد كتبت من قبل حول دور طفرة النفط والغاز الطبيعي في إبقاء العجز التجاري الأميركي آمناً من الانفجارات المفاجئة، وزيادة صعوبة الأمر على الولايات المتحدة في الاضطلاع بالدور القيادي في صياغة وتشكيل مشهد الطاقة لما بعد حقبة الوقود الأحفوري. والآن، دعُونا نلقِ نظرة على تأثير ازدهار إنتاج النفط المحلي على دورة الأعمال.
والقصة القياسية حول النفط والاقتصاد الأميركي، على نحو ما أوردها جيمس هاميلتون الخبير الاقتصادي من جامعة سان دييغو في بحثه المنشور عام 1983، والملحق الصادر عليه عام 1996، ثم الموجز الصادر عام 2005، كلها تفيد بأن الزيادات الحادة في أسعار النفط لديها عادة التسبب في الركود الاقتصادي. والآلية الرئيسية التي تؤثر فيها الصدمات النفطية على الاقتصاد، تكون من خلال تعطيل الإنفاق من جانب المستهلكين والشركات على سلع أخرى.
ونظراً إلى أن الولايات المتحدة تُنتج النفط بدرجة أقل بكثير من الاستخدام، فإن الزيادات السابقة في أسعار النفط، لم تسحب الأموال فقط من جيوب المواطنين الأميركيين، وإنما شحنت الكثير منها كذلك إلى خارج البلاد. ومن شأن الازدهار الملاحظ في إنتاج النفط الأميركي على جانب العجز التجاري المتقلص في النفط أن يغيّر من المعادلة، وإن كان قليلاً على أدنى تقدير.
لم يكن هناك ارتفاع كبير في أسعار النفط منذ بداية الطفرة النفطية الأميركية (ويرجع ذلك جزئياً إلى الطفرة النفطية الأميركية التي حالت دون ذلك)، ولكن كان هناك انهيار كبير في النصف الأخير من عام 2014، مع هبوط سعر النفط الخام بنسبة 59 في المائة من حيث الدولار خلال ستة أشهر فقط. وأسفر هذا الهبوط عن تحفيز لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 0.7 نقطة مئوية من خلال زيادة الاستهلاك الخاص الحقيقي، على نحو ما أشارت كريستيان باويستر، خبيرة الاقتصاد في جامعة نوتردام، ولوتز كيليان من جامعة مشيغان في عام 2016. وجرت موازنة هذا التأثير التحفيزي بصورة كبيرة من خلال تخفيض الاستثمار الحقيقي من قبل قطاع النفط.
ومنذ بداية عام 2016، تعافت أسعار النفط إلى حدٍّ ما، ولكن ليس بوتيرة سريعة وكافية لوضع حد كبير على الإنفاق الاستهلاكي أو التجاري. وفي الوقت نفسه، بلغ الاستثمار الحقيقي في قطاع النفط والغاز الطبيعي الأميركي أدنى مستوياته في الربع الأخير من عام 2016، رغم أنه لم يبلغ المستويات المسجلة في عام 2012 وحتى عام 2014، والذي يبدو أنه كان المحرك الرئيسي للانتعاش الاقتصادي في العام الماضي، وحتى الآن من العام الجاري. تحدث ستيف ليسمان من شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية الأميركية إلى العديد من خبراء الاقتصاد في مايو (أيار) الذين خلصوا إلى أن ارتفاع أسعار النفط صار مثل عملية «الغسيل» للاقتصاد الأميركي؛ ولن أكون مندهشاً إذا كانت الزيادة تدريجية بدرجة كافية وإيجابية بدرجة أكبر. وبعد كل شيء، كانت كثافة الطاقة في الاقتصاد الأميركي - أي كمية الطاقة المستهلكة لكل دولار من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي - ظلت في تناقص مطرد منذ أوائل سبعينات القرن الماضي. وإجمالاً للقول، وعلى أدنى تقدير، يمكننا تحمل ارتفاع أسعار الطاقة إلى درجة ما.
وهذا لا يعني أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط سوف يكون من جملة الأنباء السارة بالنسبة إلى اقتصاد الولايات المتحدة. فإن الانهيار الذي تعاني منه الأسر الأميركية والشركات غير النفطية يفوق بكثير أرباح صناعة الطاقة وزيادة الاستثمارات فيها. وكانت حصة النشاط الاقتصادي التي تم التحصل عليها من استخراج النفط والغاز الطبيعي وتكرير المنتجات النفطية أعلى مما كان عليه الأمر في تسعينات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي، ولكن ذلك يترك أكثر من 95 في المائة من اقتصاد البلاد في أيدي مستهلكي النفط.
وفي واقع الأمر، يبدو أن أفضل وضع اقتصادي حالي يكون ناشئاً من ارتفاع الأسعار بدرجة كافية تسمح لشركات التنقيب عن النفط بتحقيق الأرباح مع استقرار الأوضاع بشكل معقول. على مدى الخمسين عاماً الماضية، وبما يثير الاهتمام كذلك، فإن منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) كانت تحاول (ودائماً ما تفشل) في استقرار أسعار النفط المرتفعة بشكل مدرٍّ للأرباح من خلال حصص الإنتاج وغير ذلك من الوسائل. وفي حين تعرّضها للانتقادات الكبيرة من جانب الساسة في الولايات المتحدة - بما في ذلك الرئيس دونالد ترمب نفسه - بسبب هذا السلوك غير التنافسي والمناهض للأسواق، فإن منظمة «أوبك» قد حصلت على تلك الفكرة من الولايات المتحدة نفسها، حيث قامت لجنة تكساس للسكك الحديدية بتنظيم وضبط إنتاج النفط بين ثلاثينات حتى ستينات القرن الماضي على هذا النحو.
وقبل ذلك، وفي أواخر القرن التاسع عشر، كان جون روكلفر قد خفف من ميول الطفرة والازدهار النفطي عن طريق السيطرة على أغلب أركان الإنتاج. والآن، وبعد أن أصبحت الولايات المتحدة قوة نفطية كبيرة مرة أخرى، فلا داعي للصدمة من رؤية الاتجاهات والجهود المماثلة تُبعث إلى الحياة من جديد.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة