قلق من وصول الاشتراكية إلى أميركا

قلق من وصول الاشتراكية إلى أميركا

الجمعة - 8 ذو القعدة 1439 هـ - 20 يوليو 2018 مـ رقم العدد [14479]
نوح سميث
كاتب في «بلومبيرغ»
فوجئت الطبقة الأميركية المثقفة مؤخراً باضطراب غير متوقع في الانتخابات، عندما تمكنت ألكسندريا أوكاسيو كورتيز، البالغة من العمر28 عاماً، من الفوز على النائب الديمقراطي عن مدينة نيويورك في مجلس النواب والذي يشغل منصبه هذا للمرة العاشرة على التوالي. ومن شأن هذا أن يشكل صدمة كبيرة في حد ذاته، غير أن الانتماء السياسي للسيدة كورتيز كان أكثر مدعاة للإعجاب - إذ إنها تصف نفسها بالنائبة الاشتراكية. وكانت المسؤولة السابقة عن تنظيم حملة السيناتور بيرني ساندرز الانتخابية - والتي من المؤكد لها الفوز في الانتخابات العامة في المقاطعة الديمقراطية الكبيرة التي تمثلها في خريف هذا العام - عضواً في منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين، التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأعضاء الجدد في أعقاب فوز السيدة كورتيز الأخير.
ومن ناحية أخرى، من المهم وضع الانتخابات التمهيدية في الاعتبار. وكانت نسبة المشاركة، كما هو معتاد في الانتخابات التمهيدية، منخفضة، حيث لم يصوّت إلا نحو 13 في المائة فقط من الناخبين الديمقراطيين المسجلين في المقاطعة. وربما أسهمت شخصية السيدة كورتيز، على اعتبار أنها امرأة شابة من أصول لاتينية، في انتصارها الانتخابي بأكثر مما أسهم انتماؤها السياسي أو الحزبي. وفي غضون ذلك، لم تقترب منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين من مستوى نجاح الانتخابات التمهيدية الذي يحظى به حزب الشاي رفيع المستوى في الحزب الجمهوري.
ولكن سوف يكون من الخطأ الفادح تجاهل الدفعة الاشتراكية الأخيرة. فلقد تلاشت وصمة العار المتعلقة بذلك المصطلح في الأجواء السياسية الأميركية، حيث بات عدد قليل للغاية من الشعب الأميركي يتذكرون الحرب الباردة والاتحاد السوفياتي، والكثير منهم لا يعبأون تقريباً بالكارثة الاقتصادية التي تعاني منها فنزويلا حالياً، والتي تحكمها حكومة اشتراكية.
وبالتالي، فما الذي تعنيه الاشتراكية في الولايات المتحدة اليوم؟ في البلد الذي تتحول فيه التصنيفات الآيديولوجية إلى وصفات قابلة للتطبيق الفعلي، من المفيد تماماً النظر إلى برامج السياسة الفعلية للمرشحين البارزين مثل السيدة كورتيز.
إن البند الأول على قائمة السيدة كورتيز هو «الرعاية الصحية للجميع». وهذا لا يعني في واقع الأمر تمديد برنامج الرعاية الطبية لكبار السن كي يغطي كافة فئات المجتمع الأميركي، وهي فكرة جدية قد تجعل من نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة أشبه ما يكون بالنظام الياباني. بدلاً من ذلك، فهو يعني الرعاية الصحية بنظام الدافع الواحد، وفيه تكون الحكومة الأميركية هي الموفر الوحيد لخدمات التأمين الصحي في البلاد. ويسمح نظام الرعاية الطبية للمواطنين بشراء بوليصة التأمين الصحي الإضافية لتغطية تكاليف الخصومات المرتفعة نسبياً، مما يساعد على خفض التكاليف، حيث يمكن لنظام الدافع الواحد أن يكلف المزيد.
وعلى الرغم من أن النظام المختلط، مثل برنامج «ميديكير» الحالي، قد يكون أكثر أماناً، فمن الصعب تصور أن نظام الدافع الواحد سوف يكون أسوأ من النظام المعمول به في الولايات المتحدة اليوم، وهو المكلف للغاية ويسفر عن نتائج متوسطة الجودة.
والبند الثاني على قائمة السيدة كورتيز هو الإسكان باعتباره من حقوق الإنسان، مما يعني القضاء على ظاهرة التشرد غير الطوعي. ومن شأن ذلك البرنامج أن يكون رخيصاً نسبياً وسهل التنفيذ بالفعل، ولقد أسفرت مبادرات الإسكان الفيدرالية حتى الآن عن تقليل مشكلة التشرد الأميركية بصورة كبيرة، وتشير الحسابات التقريبية إلى أن المضي على هذا النهج ربما يكلف الحكومة أقل من 10 مليارات دولار تقريباً.
أما بالنسبة إلى الإسكان، وبرغم كل شيء، فهناك احتمال سوداوي بأن المسار الاشتراكي قد لا يكون المسار الصحيح. وتتضمن قائمة السيدة كورتيز إشارات سلبية حيال «مطوري العقارات الفاخرة»، وهي عبارة مسيئة كانت تستخدم في منطقة خليج سان فرانسيسكو للإشارة إلى مشاريع التطوير العقاري بأسعار السوق. والمدن في حاجة إلى مشاريع التطوير العقاري بأسعار السوق للحيلولة دون تشريد العمالة ذات الدخول المنخفضة على أيدي نظرائهم من أصحاب الدخول المرتفعة؛ ودعونا نأمل أن يدرك الساسة الاشتراكيون أن هذا الجانب من الرأسمالية هو من الأمور المرغوب فيها تماماً.
وهناك جزء آخر من القائمة الاشتراكية لدى السيدة كورتيز يتعلق بضمان الوظائف الفيدرالية. وعلى الرغم من أن التنفيذ قد يكون عسيراً، وقد تكون التكاليف المالية لذلك مرتفعة، فإن هناك الكثير من المزايا المتحققة من توفير الوظائف الحكومية لأولئك الذين لا يستطيعون العثور على وظائف في القطاع الخاص؛ إذ يمكن لذلك مساعدة العمالة في المحافظة على مهاراتهم المهنية وشبكاتهم الوظيفية، إلى جانب أخلاقيات العمل المطلوبة، فضلاً عن منحهم شعوراً بالكرامة والأفضلية. ومن شأن ضمان الوظائف الحكومية أيضاً أن يشكل استقراراً تلقائياً كبيراً، ويحمي البلاد من الآثار طويلة الأمد للركود الاقتصادي.
كما تؤيد السيدة كورتيز أيضاً التعليم الجامعي المجاني للجميع. وهذه، مما يؤسف له، من الأفكار المضللة سياسياً، نظراً لأن الأميركيين الأثرياء يميلون إلى دفع الكثير من الأموال للكليات والجامعات أكثر من المواطنين الفقراء، كما أنهم يميلون أيضاً إلى الاستفادة من المزايا الكبيرة التي يوفرها الالتحاق بالكليات والجامعات الباهظة التكاليف في المقام الأول، ومن شأن التعليم الجامعي المجاني أن ينتهي به الأمر إلى دعم أصحاب الدخول المرتفعة في البلاد في خاتمة المطاف. وفي الأثناء ذاتها، لا يزال هناك سؤال يتعلق بأسلوب التنفيذ، فإن المعونات الدراسية الفيدرالية قد تدفع الجامعات إلى رفع أسعار الخدمات الدراسية بكل بساطة، كما فعلت تماماً رداً على قروض الطلاب المدعومة حكومياً. ومن شأن سقف الأسعار أن يضر بالميزانيات الجامعية، ويؤدي إلى تدني جودة التعليم.
ومن أبرز البنود على قائمة السيدة كورتيز السياسية تعزيز مكافحة التغيرات المناخية. وعلى الرغم من أن هدفها المعلن من التحول الكامل إلى أنظمة الطاقة المتجددة بحلول عام 2035 يكاد يكون مستحيلاً، فإن تشجيع الجهود الرامية إلى التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، وتشجيع التقدم في تكنولوجيا الطاقة المتجددة، سوف يؤدي إلى تحقيق أرباح كبيرة. ولن يسفر الأمر فقط عن انخفاض انبعاثات الكربون فحسب، بل إن تكنولوجيا تخزين الطاقة الأفضل سوف تعطي دفعة جيدة للنمو. كما أن انخفاض تكاليف الطاقة الشمسية يمنح قدراً من الواقعية على هدف السيدة كورتيز، بدلاً من أن يكون خيالاً عصياً على الإدراك.

* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة