سميح المعايطة
وزير الإعلام الأردني السابق ورئيس مجلس إدارة صحيفة «الرأي» الأردنية حاليا
TT

رمضان الذي لم يغب جوهره

حيث يكون رمضان يكون المجتمع وأفراده في أعلى مستوى من استنفار قيمه وروحانيته، وهو الشهر الخاص بعاداته ومواعيده وسلوكياته، وحتى الأطفال يحاولون دخول أجواء رمضان بصيام قصير الزمن، وشراكة مع الأهل بطقوسه، وانتظار للعيد وفرحته الجميلة حتى وهي تتكرر بذات التفاصيل عاما بعد عام.
حين نتذكر رمضان ونحن في مراحل العمر الأولى يكون المسجد هو المكان الأكثر حضورا في الذاكرة، حيث صلاة الفجر أول الأعمال، وبعدها درس الفجر حيث يزدحم المسجد بالمصلين، ويكون للكلمة من المدرس طعم مختلف عن غير رمضان، لأن النفس مهيأة للخير والعبادة والابتعاد عن الخطايا.
وفي أيام العطل المدرسية يكون لعب الكرة صباحا بعد الفجر وقبل أن تسطع الشمس، لكن العطش لا ينتظر طويلا حتى يتسلل إلينا، وتمتد المعاناة طوال النهار لا يخفف منها (صب) الماء على الرؤوس أو المضمضة، لكن رمضان يبقى في المراحل أولى موسم تحد للصبر وممارسة ما يفعله الكبار، وخلال كل ساعات النهار فإن المسجد هو القبلة حتى ما بعد صلاة التراويح.
وحين تكون من بيئة محدودة الدخل فإنك تعيش مواسم رمضان بلا ترف، لكنها مواسم كرم ورعاية إضافية من الأب والأم، فالكرم والرعاية مرتبطة بتركيبة النفس، فالأب رغم قلة الموارد يقدم كل شيء، وغياب الترف لا يظهر لأن كل من حولنا هم من طبقات محدودة الدخل، لكن رمضان كان جميلا حيث لا يغيب عن (حوش) البيت الأقارب وإبريق الشاي ودلة القهوة حاضرة، وفي وقت السحور لا تحتاج منبها إلكترونيا فالبيوت متلاصقة ويكفي أن ينادي الجار ليصحو أهل البيت المجاور.
رمضان هو رمضان بروح العبادة وطلب الأجر والمعاناة في ساعات النهار جوعا وعطشا، وذات المشهد كل يوم في تجمع الناس على أبواب المخبز بعد ساعات العصر طلبا لرغيف ساخن، لكن مرور السنوات وبما حملته من تغير وتطور وزيادة منسوب الترف جعل لرمضان تفاصيل أخرى، فاليوم تشكل المقاهي والمجمعات التجارية بندا جديدا في رمضان المدن، حيث السهر إلى الفجر مع الأرجيلة والأحاديث وأحيانا تناول السحور، وهذه ليست طقوسا شبابية فحسب بل عائلية أيضا.
رمضان (القديم) كانت البيوت فيه بلا تلفزيون فكانت الإذاعة مصدرا لسماع الآذان والبرامج، وحتى بعدما دخلت الشاشة إلى البيوت كان خيار الناس قناة أو قناتين محليتين، ولم يكن هناك موسم مسلسلات رمضان، لكننا اليوم نجد إلى جانب إمساكية رمضان جدولا غير مكتوب في ذهن الصائم لمواعيد المسلسلات الرمضانية وحتى أوقات إعادتها.
مهما كان التغيير فإن لرمضان جوهرا تجسده يد الصائم وهي ترتفع بالدعاء إلى الله تعالى طلبا لمغفرة أو دعاء لابن بالهداية والتوفيق، أو يد طاهرة تقدم الصدقة الخفية لفقير أو محتاج.

* وزير الإعلام الأردني السابق ورئيس مجلس إدارة صحيفة «الرأي» الأردنية حاليا